قد يرى الإنسان في منامه قرداً يقف منتصباً على قدميه كما يقف الناس، يمشي بخطوات متزنة أو يقف في مكان ويتصرف بتقليد واضح لهيئة الإنسان. وهذا المشهد يستدعي صورة القرد المقلّد التي ألفها الناس، لكنه يضيف إليها عنصر الوقوف المنتصب الذي يقرّبه من هيئة البشر. وقد يشعر الرائي بالدهشة أو بالضحك أو ببعض الارتباك. والتفسير فيه رمزي لا حرفي، يتناول معاني التقليد والتظاهر، ولا يخبر بحدث.
والمعنى العام للقرد في الرموز يدور حول التقليد والمرح والعبث وسرعة الحركة. وحين يقف مثل الإنسان فإن معنى المحاكاة يبلغ ذروته، فكأن الحلم يعرض صورة لتقليد متقن لما ليس هو. فقد يُقرأ المشهد على أنه إشارة إلى التظاهر بحال غير الحال، أو إلى السعي لاكتساب هيئة أو مكانة بالمحاكاة، أو إلى ملاحظة الرائي لمظاهر تقليد من حوله. وهو معنى لطيف في طبيعته، لا يحمل بالضرورة ذماً.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن القرد يدل على صاحب تقليد وخفة وقلة جدية، وأن ما يتعلق بالتشبه قد يُحمل على تكلف. وذهب بعض المفسرين إلى أن تشبه الحيوان بالإنسان في المنام قد يدل على ظهور أمر على غير حقيقته. واختلفوا في ذلك اختلافاً كبيراً، فلا نجزم بشيء. وكل ذلك قراءات في السلوك والأحوال العامة، ولا يجوز أن تُسقط على أحد من الناس، ولا يصح أن يُشبَّه إنسان بالقرد، فهذا مما يسيء ويجرح.
ويتغير المعنى بتغير هيئة الوقوف والسلوك. فإن كان القرد يقف بهدوء وثبات فالمعنى أقرب إلى محاكاة متقنة هادئة. وإن كان يتمايل ويكاد يسقط فهو أقرب إلى تظاهر هش. وإن كان يلبس ثياباً أو يمسك شيئاً بيده فهو أقرب إلى اكتمال صورة التقليد. وإن كان يتحدث أو يشير فهو أقرب إلى خيال مرح. وإن كان يقف أمام الرائي ينظر إليه فقد يدل على أن الرائي يتأمل نفسه من خلال الصورة. وللمكان أثر في الجو العام.
وفي حال المرأة غير المتزوجة قد يتصل الحلم بالتفكير في الظهور بمظهر معين في موقف اجتماعي، أو بملاحظة من يتكلف حولها. والمتزوجة قد يتصل عندها بتقليد الأطفال لحركات الكبار وهم يقفون كالبالغين. والحامل قد يتصل عندها بالأفكار عن مولودها وهو يكبر ويحاكي. والرجل قد يتصل عنده بمظاهر الوجاهة أو بالتقليد في العمل. وكلها احتمالات هادئة لا يُقطع بها.
ومن الدقائق أن يتذكر الرائي شعوره: هل ضحك من المشهد أم خاف أم تأمل. فالضحك يدل على خفة ظل، والخوف قد يتأثر بالمظهر الذي يشبه الإنسان فيثير الاستغراب، والتأمل يدل على ميل إلى التفكير. كما ينظر هل قلّده الرائي في الوقوف أم اكتفى بالمشاهدة. فإن قلّده فقد يكون في الحلم تذكير بأننا جميعاً نقلد أحياناً بعض ما نراه.
ومن الناحية العملية يدعو هذا الحلم إلى مراجعة صدق الإنسان مع نفسه، وهل يظهر بما هو عليه أم يتكلف ما ليس فيه. فالصدق مع النفس يريح، والتكلف يرهق. ويحسن أن يختار مظهره وكلامه بما يعكس حقيقته بأدب ولطف، دون ادعاء ولا تصنع. وأن يعتز بما فيه من خير، ويسعى إلى تحسين ما يحتاج إلى تحسين بالتدريج. وهذا طريق الأصالة والطمأنينة.
ومن الجانب النفسي فإن المحاكاة والتشبه من الغرائز الإنسانية التي تظهر منذ الصغر، وهي طريق للتعلم والانتماء. وإذا ظهر القرد المنتصب في الحلم فقد يعبر عن هذه الغريزة في صورة مرحة. ولا ينبغي أن يُرى فيها عيب في ذاتها. إنما المطلوب أن نختار ما نقلده ونفهمه، وأن نحافظ على جوهرنا. ومن فعل ذلك استفاد من غيره دون أن يفقد نفسه.
وليتذكر الرائي أن الشبه بين القرد والإنسان في الظاهر لا يعني تقارباً في المنزلة، فقد كرّم الله الإنسان بالعقل والاختيار والمسؤولية. وهذا يجعل الصورة في الحلم مجرد مشهد خيالي، لا يمس كرامة أحد. ومن فهم ذلك أخذ الحلم بخفة وابتسم له وانتقل إلى ما ينفعه.
ومن اللطائف أن الأطفال كثيراً ما يضحكون من القرد حين يقلد الإنسان، لأن ذلك يلامس إحساسهم بالمفارقة. وقد يكون الحلم تعبيراً عن الطفل الكامن في الرائي الذي يستمتع بهذه المفارقات. فلا بأس أن يبتسم الكبير لهذا الجانب من نفسه، فهو علامة سلامة الفطرة.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يُتخذ أساساً لقرار حقيقي أو لحكم على أحد. فليقابل الرائي ما رآه بالدعاء وحسن الظن بالله، وليسأله الصدق والسداد في القول والعمل. وأما ما يخبئه المستقبل فمن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله.
