من الرؤى التي قد تُقلق صاحبها أن يرى قرداً يلقي الحجارة، فيقذفها نحوه أو نحو المكان حوله، فيستيقظ وهو يتساءل عن دلالة هذا المشهد. وهو مشهد مألوف في حكايات الناس عن القرود المشاكسة، ولذلك فإن ظهوره في المنام لا يستغرب. والتفسير فيه رمزي لا حرفي، فلا يعني أن أذى سيقع، وإنما هو في الغالب انعكاس لشعور بالمضايقة أو الانزعاج من أمور صغيرة متكررة. فلنتناوله بهدوء وتأنٍّ.
والحجارة في الرموز قد تشير إلى أمور صلبة ثقيلة، وقد تشير إلى الكلام القاسي حين يُقال إنه رُمي به أحد. فإذا اجتمع ذلك مع القرد، الذي يرمز في الغالب إلى العبث والمشاكسة، صار المشهد صورة لإزعاج يأتي من جهة خفيفة العقل أو قليلة الجدية. فقد يُحمل على كلمات عابرة أو مواقف مضايقة لا تستحق كل هذا الاهتمام. وهذا المعنى يجعل الأمر أخف مما يبدو أول وهلة، فهو إزعاج لا خطر.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن القرد يدل على العبث وقلة الجدية، وأن ما يُرمى به في المنام قد يُحمل عند بعضهم على كلام يؤذي أو أمر يضيق به الصدر. وذهب بعض المفسرين إلى أن الرمي بالحجارة قد يشير إلى خصومة لفظية أو مضايقات. واختلف أهل التفسير في هذه المسائل اختلافاً ظاهراً، ولا يصح الجزم بها. وهي كلها قراءات للسلوك والأقوال، ولا يجوز أن تُحمل على شخص أو فئة، فلا يتهم الرائي أحداً بسبب صورة رآها في نومه.
وتتغير الدلالة بتغير الحجارة وحجمها. فإن كانت صغيرة كالحصى، فالمعنى أقرب إلى مضايقات يسيرة. وإن كانت كبيرة ثقيلة فهي أقرب إلى ضغط أشد وقعاً. وإن أصابت الرائي دون ألم فقد يُحمل على أن ما يزعجه لن يترك أثراً. وإن أخطأته فقد يُقرأ على أن ما يخشاه لن يصل إليه. وإن كان يرميها نحو الآخرين وليس نحوه فهو أقرب إلى رؤية فوضى حوله لا تخصه. ولمكان الحلم أثر في تحديد المعنى.
وبحسب حال الرائي يتغير التأويل. فالمرأة غير المتزوجة قد تعبر الرؤية عندها عن ضيقها من كلام الناس أو من أسئلة متكررة تتعلق بحياتها. والمتزوجة قد تعكس ضيقها من انتقادات أو من ضجيج الأولاد. والحامل قد تعبر عن حساسية زائدة تجاه الكلام في هذه المرحلة. والرجل قد يعبر عن ضغوط العمل وتعليقات الزملاء. وكل ذلك احتمالات هادئة لا تُقطع.
ومن التفاصيل أن يُنظر في مشاعر الرائي عند الرمي: هل شعر بخوف أم بغضب أم بدهشة، وهل حاول الاحتماء أم تجاهل. فمن احتمى فهو حريص على سلامة نفسه، ومن تجاهل فهو قادر على الترفع عن الصغائر. ومن غضب فربما كان مكبوتاً من أمر يريد أن يعبر عنه. وكذلك يُنظر في صوت القرد ونظرته ومكان وقوفه، لكن ذلك كله تفاصيل خيالية لا تحمل يقيناً.
ومن الناحية النفسية والعملية يمكن أن يتعلم الرائي من هذا الحلم كيف يتعامل مع المضايقات الصغيرة بحكمة. فبعض الكلام لا يستحق الرد، وبعض المواقف يكفي أن تُترك لتنتهي. وأن يحافظ على هدوئه وكرامته دون أن يصطدم بكل ما يعترضه. ومن أحسن اختيار معاركه وفّر طاقته لما ينفع. ومن كان الأذى متكرراً حوله فلا بأس أن يضع حدوداً أدبية أو يطلب العون من الثقات.
ومن اللطائف أن القرد في الخيال العام مشاكس لا يقصد الأذى في الغالب، وإنما يلهو. فإذا استحضر الرائي هذه الصورة خفّ وقع الحلم عليه، وصار أقرب إلى مشهد من فيلم مضحك منه إلى نذير. ومن المفيد أن يضحك الإنسان من هذه الصور فهي تكسر حدة القلق. وليتذكر أن الحجارة التي تُرمى في النوم لا تؤذي الجسد، وأن ما يبقى منها هو الفكرة فقط.
وإذا أراد الرائي أن يفهم حلمه فهماً أعمق فليسأل نفسه عن الكلمات التي سمعها مؤخراً وعن المواقف التي ضايقته، فقد يجد فيها مفتاح الصورة. فكثيراً ما يكون الحلم تلخيصاً مجازياً لما يتكرر في يقظة الإنسان دون أن يلتفت إليه. والحجارة في هذه الحال تمثل ثقل الكلام، والقرد يمثل الصورة الهزلية التي يلبسها العقل لذلك الثقل حتى لا يفزع صاحبه. وبهذا المنظور يكون الحلم محاولة من النفس لتخفيف ما ضاق به الصدر.
ويحسن أن يعامل الإنسان أحلامه مثل الأحاديث العابرة، فلا يهملها كل الإهمال ولا يبالغ في الوقوف عندها. فإذا زال أثرها بعد الاستيقاظ فالأمر هين. وإن بقي أثرها فلا مانع من أن يتحدث عنها مع صديق حكيم أو قريب ناصح. ومن حفظ لسانه فلم يرمِ أحداً بكلمة جارحة كان أبعد عن أن تعود إليه في صور مزعجة، فإن للكلمة الطيبة أثراً في الراحة النفسية يعرفه الجميع.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، يخطئ ويصيب، فلا يجوز أن يكون سبباً لخوف أو سوء ظن بأحد أو قرار في الواقع. فليقابل الرائي ما رأى بالدعاء وحسن الظن بالله وسؤاله الحفظ والسلامة. وأما ما سيأتي من أحداث فمن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله.
