قد يرى الحالم قرداً يتغير شكله أمام عينيه فيصير قطاً أو حصاناً أو طائراً أو كلباً أو أي حيوان آخر، وقد يكون التحول سريعاً أو متدرجاً. وهذا من الأحلام التي تدهش صاحبها وتدفعه إلى السؤال عن الحيوان الذي صار إليه القرد. والتفسير في هذا الباب رمزي لا حرفي، يستند إلى ما يرمز إليه كل من الحيوانين في لغة الرموز، ولا يحمل خبراً عن واقع أو غيب، وإنما هو قراءة ظنية لصورة تدل على التبدل.
القرد في كلام المعبّرين رمز للمرح والتقليد والحيلة الصغيرة وكثرة الحركة، فإذا تحول إلى حيوان آخر فإن المعنى يتجه إلى الصفة الجديدة التي اكتسبها. فمن تحول إلى طائر قد يشير إلى خفة وانطلاق، ومن تحول إلى حصان قد يشير إلى قوة وسرعة، ومن تحول إلى قط قد يشير إلى هدوء واستقلال، ومن تحول إلى كلب قد يشير إلى وفاء وألفة، وهكذا. فالأمر يشبه تبدل طابع الأمر من الخفة المقلدة إلى طابع آخر بحسب الحيوان الجديد.
نُسب إلى ابن سيرين فيما رُوي عنه أن تبدل الشيء من صورة إلى صورة في المنام يدل على تبدل حاله بحسب ما صار إليه، وأن العبرة بصفة الصورة الأخيرة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن انتقال الحيوان إلى حيوان آخر يدل على انتقال صفات الأمر من حال إلى ما يشبه الحيوان الثاني. واختلف المفسرون في ذلك اختلافاً بيناً، ولا يوجد قول قاطع، وهذه الأقوال تتناول الصفات والسلوك فقط، ولا تنسب حيواناً إلى فئة من الناس ولا تذم أحداً.
يتغير المعنى بتغير السياق. فإذا كان الحيوان الجديد أجمل وأهدأ فالتحول قد يعبّر عن تحسن، وإذا كان أخشن أو أقسى فقد يعبّر عن تغير يحتاج إلى انتباه. وسرعة التحول وإحساس الحالم أثناءه مهمان، فالتحول السلس يوحي بتدرج طبيعي والمفاجئ يوحي بتغير غير متوقع. وهل كان التحول من تلقاء نفسه أم بسبب فعل من الحالم، وهل بقي من القرد شيء في الحيوان الجديد كعينيه أو حركته. وبيئة المشهد من بيت أو حقل أو طريق تضيف دلالتها.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعني الحلم عند بعضهم تغيراً في مزاج أو علاقة أو نظرة، ينتقل بها من جانب مرح إلى جانب آخر بحسب الحيوان الجديد. وقد يدعوها إلى التأمل في ما تريد أن تنمّيه في نفسها من صفات. وإذا كان الحيوان لطيفاً فهو حسن، وإذا كان مخيفاً فلتأخذ حذرها في ما يستجد من أمورها، بلا هلع. وكل ذلك احتمال لا يُجزم به.
وللمرأة المتزوجة قد يُفهم الحلم على أنه تغير في أجواء البيت أو في طباع الأطفال أو الأحوال الأسرية، من حال إلى حال. وللرجل قد يدل على تبدل في طبيعة عمله أو علاقاته أو انشغالاته، من خفة إلى جد أو من مرح إلى صبر. وللتاجر قد يقرأ بعضهم الصورة على أنها تغير في نوع التجارة أو التعامل مع زبائن، وهو أمر يحتاج إلى دراسة عملية لا إلى منام.
ومن الدقائق التي تُصقل بها القراءة نوع الحيوان الجديد بدقة، فإن كان من الأليفة فالمعنى أميل إلى الألفة، وإن كان من الجارحة فالمعنى أميل إلى القوة أو الحذر، وإن كان من الطيور فالمعنى أميل إلى الانطلاق. وكذلك حجمه ولونه وسلوكه تجاه الحالم، أهو ودود أم متباعد. وهل عاد الحيوان إلى هيئة القرد بعد ذلك، فعودته قد تدل على أن التغير عابر. وهل تحول آخرون معه، فقد يدل ذلك على تغير عام يحيط بالحالم.
وللحلم جانب نفسي مفيد، فالإنسان يتبدل مزاجه وأولوياته مع الأيام، وما كان مرحاً مقلداً قد يصبح هادئاً أو جاداً أو قوياً. وفي الحلم دعوة لتقبل هذه التحولات بهدوء وفضول، لا بقلق، وللتفكير فيما نريد أن نحتفظ به من أصلنا وما نريد أن نتجاوزه. كما أن الأصالة في التغير أن يكون نابعاً من قناعة لا من تقليد، فمن غيّر طبعه ليشبه غيره فقد خسر نفسه، ومن غيّره ليصلح نفسه فقد ربح.
وقد تكون للصورة أصول قريبة كمقطع عن تحولات الحيوانات أو لعبة طفل أو حكاية سمعها الحالم، وهنا تكفي الابتسامة ولا حاجة إلى التعمق. وكثير من الأحلام تُركّب من أجزاء متفرقة من الذاكرة فتخرج غريبة مبتورة، وهذا من خصائص النوم. ومن حسن الفهم ألا نعطي الصور المتداخلة وزناً أكثر من وزنها، ولا نجعلها مفتاحاً لقلق أو أمل زائد.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي في مال أو عمل أو علاقة. والأولى بمن رأى الحلم أن يدعو الله ويحسن الظن به، وأن يسأله الخير في كل تحول. فعلم الغيب عند الله وحده، وما تعرضه الأحلام من صور لا يغيّر ما قُدّر، وإنما هو رموز قد تحمل تأملاً وقد تكون من حديث النفس.
