يتخيل بعض الناس أنهم يرون قرداً يتغير شكله شيئاً فشيئاً حتى يصبح إنساناً يقف ويتحدث، وقد يتعجبون من هذا التحول أو يتأملونه بهدوء. وهذه الصورة من الأحلام الغريبة التي يغلب عليها طابع التغير والانتقال. ونقدم تفسيرها على أنه رمزي بحت لا حرفي، بوصفه صورة لتحول في الطباع والأحوال، لا أكثر، فلا يحمل المشهد إشارة إلى أحد، ولا يتضمن خبراً عن واقع أو غيب، وإنما هو قراءة هادئة لفكرة النمو والتغير.
القرد في كلام المعبّرين رمز للمرح والتقليد والحيلة الصغيرة والحركة الدائمة وقلة الاستقرار، والإنسان في الحلم رمز للنضج والوعي والمسؤولية والقدرة على الاختيار. فإذا تحول القرد إلى إنسان فكأن الصورة تتحدث عن انتقال من طبع مرح مقلد إلى طبع أكثر جدية واستقلالاً. وقد يعبّر ذلك عن أمر كان خفيفاً غير ناضج فصار ناضجاً، كمشروع صغير بدأ لهواً ثم صار عملاً جاداً، أو هواية تحولت إلى مهارة، أو شخص تعلم وتغير نحو الأفضل.
نُسب إلى ابن سيرين فيما رُوي عنه أن تبدل الأشياء من حال إلى حال في المنام يدل على تغير حال صاحبها بحسب ما صارت إليه، وأن الانتقال إلى صورة أفضل يشير إلى تحسن. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن تغير هيئة الأمر في الرؤيا دليل على تبدل صفته في الواقع. واختلف المفسرون في ذلك اختلافاً واسعاً، وهذه الأقوال ظنية متعلقة بالطباع والأحوال، وليست حكماً على أحد من الناس، ولا يقصد بها تشبيه إنسان بحيوان على وجه الانتقاص، وإنما هي لغة رموز.
يتغير المعنى بتغير السياق. فإن كان التحول سلساً هادئاً وانتهى بإنسان مبتسم، فهذا أقرب إلى نمو لطيف وتحسن تدريجي. وإن كان التحول سريعاً مفاجئاً أو مثيراً للقلق، فقد يعبّر عن تغير يحتاج الحالم إلى وقت ليتقبله. ومن هو الإنسان الذي نتج؟ أهو شخص يعرفه الحالم أم غريب؟ فإن كان معروفاً فقد يشير إلى تغير في صفات ذلك الشخص كما يراها الحالم، وإن كان غريباً فقد يشير إلى هوية جديدة تتكون. وهل كان الإنسان يشبه الحالم نفسه، فقد يعني ذلك تحولاً في ذاته.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعني الحلم عند بعضهم نضجاً في شخصيتها أو في علاقة كانت خفيفة ثم أصبحت أكثر جدية، أو تغيراً في نظرتها إلى من حولها. وقد يعبّر عن مرحلة انتقالية في حياتها بين الدراسة والعمل أو بين الصبا والاستقلال. وكل ذلك احتمالات رمزية لا يُبنى عليها حكم ولا قرار.
وللمرأة المتزوجة قد يُفهم الحلم على أنه تعبير عن نمو الأبناء وتحولهم من الطفولة المرحة إلى الجدية، أو عن تغير في أجواء البيت إلى مزيد من النضج والهدوء. وللرجل قد يدل على تحول في مشروعه أو عمله أو شخصيته نحو الانضباط، وللتاجر قد يقرأ بعضهم الصورة على أنها تحول تجارة صغيرة خفيفة إلى عمل منظم. وهذا كله توسع في التأويل لا يُجزم به، والأحوال تتغير بإرادة الله وحده.
ومن الدقائق التي تُصقل بها القراءة هل احتفظ الإنسان الناتج ببعض ملامح القرد، كحركة أو ابتسامة، فقد يعني ذلك أن المرح الأصلي بقي مع النضج، وهذا أفضل ما في الأمر. وهل تكلم الإنسان الجديد، وماذا قال، وهل شكر الحالم أو سأل عنه، وهل غادر أم بقي. فهذه كلها تفاصيل رمزية تدل على طبيعة التغير. وهل كان التحول في مكان مألوف أم غريب، فالمألوف يوحي بتغير قريب.
وللحلم جانب نفسي مشجع، فهو يذكّر بأن التغير ممكن، وأن الإنسان يستطيع أن يتعلم وينضج من غير أن يفقد روحه المرحة. وقد يكون دعوة للتأمل في الجوانب التي نريد أن ننميها في أنفسنا، كالصبر والانضباط والمسؤولية، مع الإبقاء على حس الدعابة. ومن الجميل أن نمنح أنفسنا ومن حولنا فرصة للنمو، فلا نحكم على أحد بصورة قديمة. والأصالة هي أن نتغير نحو ما نراه خيراً لا نحو ما يتوقعه الآخرون.
وقد يكون للحلم أصل في فكرة قرأها الحالم أو فيلم شاهده عن التحول والتطور، فأخذ منه الخيال هذه الصورة. وهذا شائع في الأحلام، إذ تلتقط الذاكرة ما رأته وتعيد تشكيله. ولذلك فلا حاجة إلى إعطاء المشهد أكثر مما يحتمل. وإذا شعر الحالم بالفضول فلا بأس أن يتأمل، ثم يعود إلى شؤونه، فإن الأحلام تتبدد سريعاً وما يبقى هو العمل الصالح والتعلم المستمر.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساساً لحكم على أحد أو لقرار في عمل أو علاقة أو مال. والأولى بمن رأى الحلم أن يدعو الله ويحسن الظن به، ويسأله الهداية والتوفيق إلى الخير. فعلم الغيب عند الله وحده، وما تعرضه الأحلام من صور لا يملك أن يغيّر ما قُدّر، وإنما هو رموز قد تحمل تأملاً لطيفاً وقد تكون من حديث النفس.
