تسأل بعض الحوامل عن معنى رؤية قرد في المنام، سواء كان قريباً منهن يلعب أو بعيداً يراقب أو يجلس في البيت. وفترة الحمل مليئة بالمشاعر المتقلبة والأحلام الكثيرة الغريبة، وهي أمر مألوف تذكره النساء والأطباء على السواء، فلا ينبغي أن تقلق المرأة من صورة طريفة أو غريبة. والتفسير الذي نعرضه رمزي لا حرفي، فهو لا يتضمن خبراً عن الجنين أو عن الولادة أو عن صحة، ولا يتنبأ بشيء، وإنما هو قراءة ظنية لطيفة لصورة قد تتصل بمشاعر الترقب.
القرد في كلام المعبّرين رمز للمرح والحركة والفضول والتقليد. وحين تراه الحامل فقد يربطه بعضهم بمزاج الترقب، فهي تنتظر صغيراً يملأ البيت حركة وصخباً محبباً، وقد يتخيل ذهنها هذه الحيوية في صورة قرد صغير. وقد يعبّر الحلم أيضاً عن انشغالها بالاستعدادات الكثيرة التي لا تنتهي، من تجهيزات ومواعيد وتفكير في المستقبل. وليس في هذه المعاني ما يستدعي الخوف، فالأحلام في هذه الفترة غالباً ما تعكس عالمها الداخلي.
نُسب إلى ابن سيرين فيما رُوي عنه أن الحيوان الصغير في منام الحامل قد يدل على مولود أو على أمور تتصل بالصغار، وأن حاله يعبّر عن حال ما يرمز إليه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يلعب حول المرأة في الرؤيا يشير إلى ما يحيط بها من أمور خفيفة. واختلف المفسرون في هذه الأمور اختلافاً واسعاً، ولا يُجزم بشيء منها، وهي متعلقة بالصفات والمواقف لا بجماعة من الناس، ولا يصح أن تُتخذ دليلاً على جنس الجنين أو صحته أو موعد ولادته.
يتغير المعنى بتغير السياق. فإن كان القرد صغيراً لطيفاً هادئاً فالأمر أقرب إلى مشاعر حنان وأنس وترقب سعيد، وإن كان كبيراً أو مزعجاً فقد يعبّر عن توتر من كثرة الطلبات والنصائح من حولها. وإن كان يلعب مع أطفال فقد يعبّر عن تخيل لأجواء البيت بعد قدوم المولود. وإن كان يخيفها فقد يعبّر عن قلق طبيعي من المجهول يمر به كثير من الأمهات. والأهم شعورها بعد الاستيقاظ: هل ابتسمت أم انقبض صدرها، فالقراءة تتبع الشعور.
ومن الأوجه التي يذكرها بعضهم أن الصورة قد تشير إلى كثرة الأحاديث والنصائح التي تتلقاها الحامل من الأقارب والصديقات، فكل واحدة تقدم رأياً، وفي الحلم يظهر قرد يقلد ويردد ويتحرك بخفة. وقد تدعوها هذه الصورة إلى أن تأخذ ما ينفعها من نصح الثقات وتترك الباقي بلطف، وأن تستشير طبيبها في أمور الصحة لا غيره. فالمعلومة الطبية تؤخذ من أهلها، والأحلام لا تغني عنها.
ومن الأوجه الأخرى أن تكون الصورة تعبيراً عن رغبتها في المرح والخفة وسط ثقل الحمل وتعبه، فتأتيها في المنام صورة محببة تخفف عنها. وهذا معنى جميل يدل على أن النفس تبحث عن الراحة والبسمة. وفي هذه الحال ينبغي أن تمنح نفسها قسطاً من الاسترخاء والنزهة الخفيفة وصحبة تضحكها، فإن للحالة النفسية أثراً طيباً على صاحبتها. وقد تكون الصورة مجرد انعكاس لمقطع طريف رأته قبل نومها.
ومن التفاصيل الدقيقة ما إذا كان القرد يقترب من بطنها أو يلمسه، وهذا مشهد قد يثير قلقها، لكنه ينبغي أن يُفهم رمزاً للحنان أو الفضول لا أكثر. وهل كان يحمل طفلاً، فقد يعبّر عن تخيلها للأمومة. وهل كان في البيت أم خارجه، وهل كان معها زوجها أو أمها، فحضور الأحبة يخفف الدلالة. وهل ابتعد القرد أم اقترب، وهل كان وديعاً، وكلها قرائن للمزاج لا للأحداث.
وللحلم جانب نفسي مفيد، فالحمل مرحلة تحولات كبيرة في الجسد والنفس، وقد تنعكس في الأحلام صور غريبة كثيرة، وهذا طبيعي. ويحسن أن تتعامل معها الحامل بهدوء وفكاهة، وأن تتحدث عمّا يقلقها مع من تثق به، وألا تكتمه. والنوم الكافي والغذاء الجيد والمتابعة الطبية خير ما تعين به نفسها. وإن أرادت أن تسترشد بالصورة فلتجعلها تذكيراً بأن أمومتها ستكون مليئة بالمرح الجميل والتعلم اليومي.
وأحب أن أؤكد أن لا علاقة بين هذه الأحلام وبين صحة الجنين أو شكله أو سلامة الولادة، وأن ما يتناقله بعض الناس في هذا الباب من ربط الأحلام بأوصاف المولود لا أساس له يُعتمد عليه. فالصحة تُعرف بالفحوص والمتابعة لا بالمنامات. وعلى الحامل أن تطمئن إلى أن الله هو الحافظ، وأن تأخذ بالأسباب المشروعة، وتدع الوساوس جانباً، فإن الطمأنينة من أعظم ما يعينها في هذه الأيام.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي في ما يخص الحمل أو الصحة أو الولادة أو غير ذلك. والأولى بمن رأت الحلم أن تدعو الله وتحسن الظن به، وتسأله السلامة والعافية لها ولما في بطنها. فعلم الغيب عند الله وحده، وما تعرضه الأحلام من صور لا يغيّر ما قُدّر، وإنما هو رموز قد تحمل تأملاً لطيفاً وقد تكون من حديث النفس.
