يرى بعض الناس أنهم يربّون قرداً في بيوتهم، يطعمونه ويعتنون به ويعلّمونه ويراقبون نموه يوماً بعد يوم. وهذه الصورة تختلف عن لقاء عابر مع قرد في الطريق، لأن التربية فعل ممتد في الزمن يوحي بالصبر والمتابعة والمسؤولية. وقد يشعر الرائي في الحلم بالألفة أو بالإرهاق أو بالطرافة، وهذه المشاعر أهم مفاتيح الفهم. ونؤكد أن الكلام هنا رمزي لا حرفي، ولا يُقصد منه التنبؤ بشيء، فهو محاولة لقراءة صورة ذهنية كما يقرؤها بعض المهتمين بهذا الباب.
القرد في تأويلات المعبّرين يرتبط بالمرح والتقليد والحيلة الصغيرة والفضول وقلة الاستقرار، وقد يُنظر إليه رمزاً لأمر نشيط يحتاج إلى ضبط وتوجيه. فإذا كان الحالم يربيه فكأنه يتعهد أمراً بهذه الصفات، كأن يعتني بمشروع صغير مشاغب، أو بطفل كثير الحركة، أو بجانب من نفسه يميل إلى اللهو ويريد أن يهذبه. وفي كلمة التربية ما يوحي بالتقويم والتعليم، فالأمر ليس مجرد صحبة، بل جهد متواصل ينتظر منه صاحبه ثمرة على المدى البعيد.
نُسب إلى ابن سيرين فيما رُوي عنه أن من يربي حيواناً في المنام قد يتكفل بمن يعولهم أو يقوم على شأن من هم تحت يده، وأن في تربية الحيوان الأليف دلالة على الرعاية والإنفاق. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحيوان الذي يألف صاحبه في الرؤيا يدل على من يألفه في الواقع ويأنس به. واختلف المفسرون اختلافاً واضحاً في ذلك، فلا يُعدّ ما سبق قولاً قاطعاً، وهو يتعلق بالسلوك والصفات لا بجماعة من الناس، ولا يصح أن يُقال عنه إنه حكم على أحد.
يتغير المعنى بتغير الحال، فتربية قرد صغير لطيف تدل على جهد مبشّر وعناية محببة، وتربية قرد كبير مشاكس قد تدل على أمر يحتاج إلى صبر أطول. وإذا كان القرد مطيعاً يتعلم بسرعة فقد يشير ذلك إلى استجابة الأمر الذي يعتني به الحالم، وإذا كان عنيداً فقد يشير إلى حاجة إلى تغيير الأسلوب. وكذلك البيئة، فتربيته في بيت واسع نظيف تختلف عن تربيته في قفص ضيق، إذ قد تعبّر الأولى عن رحابة والثانية عن تقييد. ومشاعر الحالم من حب أو ضجر هي القرينة الأقوى.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعني الحلم عند بعضهم أنها تعتني بأمر خفيف في حياتها، كهواية أو علاقة صداقة مرحة أو مشروع صغير، وأنها تحتاج إلى صبر لتصل به إلى ما تريد. وقد يدل على نضجها في تحمل المسؤولية بروح لطيفة. وإن كانت متعبة من التربية فقد يشير ذلك إلى أنها تحمل ما يفوق طاقتها وتحتاج إلى مشاركة، وهذا كله من الاجتهاد الظني الذي لا يُجزم به.
وللمرأة المتزوجة قد تُفهم الصورة على أنها انعكاس لمسؤولياتها في تربية الأبناء، خاصة إن كانوا كثيري الحركة والفضول، فالقرد هنا رمز لخفة الحركة والنشاط لا أكثر. وللحامل قد تكون الصورة تعبيراً لطيفاً عن استعداد نفسي لرعاية صغير قادم، والله أعلم بالغيب. وللرجل قد تدل على التزامه بتعهد أمر يحتاج إلى متابعة، كعمل أو شخص يرعاه، وللتاجر قد تدل عند بعضهم على رعاية مشروع صغير نشيط يحتاج إلى ضبط أكثر مما يحتاج إلى مال.
ومن التفاصيل الدقيقة ما إذا كان القرد يقلد الحالم في تصرفاته، فقد يشير ذلك إلى أن من حوله يتأثرون به أو يتعلمون منه، فيكون في الصورة دعوة إلى القدوة الحسنة. وكذلك ما إذا كان القرد يتعلم أموراً نافعة أو يعبث بالأثاث، فالنافع يدل على ثمرة التربية والعبث على أن الأمر يحتاج إلى حزم. وهل يعيش القرد في بيت الحالم أم في مكان آخر، فالبيت يوحي بقرب والمكان البعيد يوحي بأمر خارج عن نطاقه المباشر.
ولا بد أن نذكر أن الأحلام تتأثر بما يسبق النوم من مشاهدة أو حديث، فربما رأى الإنسان مقطعاً عن حيوان مدرّب أو حديثاً عن تربية الأطفال فانعكس ذلك في منامه. ولذلك فإن بعض ما نراه لا يحتاج إلى تأويل عميق، بل هو من بقايا نهارنا. وإذا ألحّ الحلم على صاحبه فلا بأس أن ينظر في حياته أين يبذل جهداً طويلاً ولا يرى ثمرته، فهذا قد يكون المعنى القريب الذي يخدم صاحبه نفسياً.
وللجانب النفسي العملي فائدة، فالحلم قد يذكّر الحالم بأن التربية، سواء لأطفال أو لمشروع أو لعادة جديدة، تحتاج إلى صبر ورفق، وأن الإفراط في الصرامة أو التساهل كلاهما يضر. ويستحسن أن نتعلم من القرد في الحلم أن اللعب جزء من التعلم، فلا نحول كل شيء إلى واجب ثقيل، ونحتفظ بروح مرحة تعين على الاستمرار. كما أن الأصالة مطلوبة، فمن يربي غيره ينبغي أن يكون قدوة لا نسخة من الآخرين.
وفي الختام فإن ما ذُكر كله اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يكون أساساً لقرار حقيقي في المال أو الأسرة أو العمل. والأولى بمن رأى الحلم أن يدعو الله ويحسن الظن به، وأن يتوكل عليه في تربية من هم في عهدته ويسأله لهم الصلاح. فالغيب لا يعلمه إلا الله، والأحلام لا تغيّر ما قُدّر للإنسان، وإنما هي صور قد يستخرج منها العاقل عبرة لطيفة ثم يمضي في شأنه بطمأنينة.
