يرى بعض الناس قرداً مدرباً ينفذ الأوامر بدقة، فيجلس حين يؤمر ويقف حين يُطلب منه، ويلتقط الأشياء ويعيدها، وكأنه تعلّم من معلم صبور. وهذا المشهد يختلف عن مشاهد القرد المشاغب لأن فيه عنصر الانضباط. والتفسير رمزي لا حرفي، فهو لا يخبر عن واقع ولا يتنبأ بغيب، وإنما هو قراءة لصورة تتصل بالتهذيب والتعلم وضبط الطباع، كما يتأملها بعض من اهتموا بشأن الرموز.
القرد في كلام المعبّرين رمز للنشاط والتقليد والمرح والفضول وقلة الاستقرار، والتدريب رمز للتهذيب والتوجيه والتعلم المنظم. فإذا اجتمعا في الحلم فقد يعني ذلك أن طبعاً نشيطاً مشاغباً قد أمكن ضبطه، أو أن جانباً من نفس الحالم قد صار أكثر انضباطاً، أو أن شخصاً من حوله تعلّم الانضباط بعد تقلب. ويحمل المشهد معنى الأمل، لأنه يدل على أن الطباع قابلة للتهذيب بالصبر والمداومة.
نُسب إلى ابن سيرين فيما رُوي عنه أن ترويض الحيوان في المنام قد يدل على قدرة صاحبه على ضبط من تحت يده أو سياسة أمره بحكمة، وأن الحيوان الذي يطيع صاحبه يشير إلى طاعة من له به صلة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن التدريب والتعليم في الرؤيا يدلان على إصلاح ما كان معوجاً بالتدرج. واختلف المفسرون في ذلك، فلا يُعتبر ما نقلناه قولاً قاطعاً، وهو متعلق بالسلوك والصفات لا بجماعة من الناس، ولا يصف أحداً بنقيصة.
يتغير المعنى بتغير السياق. فإن كان القرد يؤدي الأوامر برضا وهدوء فذلك أقرب إلى انسجام وتعلم سلس، وإن كان يؤديها وعليه علامات الخوف أو الإكراه فقد يشير إلى انضباط قائم على الضغط لا على القناعة. وهل كان المدرب هو الحالم أم شخصاً آخر، فإن كان الحالم فهو من يتولى توجيه أمر ما، وإن كان غيره فقد يشير إلى من يرشده. وهل كان التدريب بالمكافأة أم بالشدة، فالمكافأة توحي بأسلوب لين والشدة بأسلوب صارم. ومشاعر الحالم من إعجاب أو شفقة أو دهشة مهمة.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعني الحلم عند بعضهم أنها تتعلم ضبط طبعها المرح أو أنها تتأمل شخصاً حولها تحسنت أخلاقه وأدبه، وقد يشير إلى نضج تدريجي في شخصيتها. وقد يدعوها إلى الاستمرار في تهذيب ما ترى أنه يحتاج إلى تهذيب بلا قسوة على نفسها. وهذا اجتهاد ظني لا يتجاوز دائرة الاحتمال، ولا يُبنى عليه حكم على أحد.
وللمرأة المتزوجة قد يُفهم الحلم على أنه تعبير عن جهدها في توجيه الأبناء أو ضبط شؤون البيت وتنظيم حركة الصغار، وما تبذله من صبر طويل. وللرجل قد يدل على قدرته على إدارة فريق أو ضبط عمل نشيط مشاغب، أو على تعلمه الانضباط بعد تقلب. وللتاجر قد يقرأ بعضهم الصورة على أنها حسن سياسة للعاملين وتدريب جيد للموظفين، وهو أمر ينفع في الواقع بغض النظر عن الأحلام.
ومن الدقائق التي تُصقل بها القراءة هل أتقن القرد حيلة بعينها، فنوع الحيلة يشير إلى جانب من جوانب التهذيب، وهل كان يخطئ أحياناً ويُصحَّح له، فالخطأ المتبوع بالتصحيح يوحي بتعلم واقعي. وهل كان يلتفت إلى الحالم طلباً للموافقة، فقد يشير ذلك إلى حاجة إلى التقدير. وهل كان القرد يهرب من التدريب في بعض الأحيان، فقد يعبّر عن طبع غالب يظهر عند الضغط.
وللحلم جانب نفسي مفيد وإيجابي، إذ يذكّرنا بأن العادات والطباع قابلة للتغيير بالتدرج، وأن الصبر في التعلم يثمر. وقد يكون دعوة لنتأمل ما نريد أن نتعلمه في حياتنا، من مهارة أو عادة أو خلق، ونضع له خطة صغيرة. ويستحسن أن يكون التدريب رفيقاً لا يخلو من مرح، فالتعلم الذي يصحبه ابتسام أبقى أثراً. والأصالة تعني أن نتدرب على ما يناسب طبعنا لا على ما يقلده الناس.
وربما جاء الحلم من مشهد رآه الحالم في وثائقي أو معرض أو من حديث عن تربية الأبناء. وهذه الأصول القريبة تفسر كثيراً من الصور دون حاجة إلى معانٍ بعيدة. وإذا لم يجد الحالم لها أصلاً فلا بأس أن ينظر في حياته هل هناك أمر يحتاج إلى تدريب أو انضباط، فيكون الحلم تذكيراً لطيفاً. وفي كل الأحوال يبقى الأمر في دائرة الظن لا اليقين.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي في تربية أو عمل أو علاقة. والأولى بمن رأى هذا الحلم أن يدعو الله ويحسن الظن به، ويسأله الهداية والتوفيق في تهذيب النفس ومن يعول. فعلم الغيب عند الله وحده، وما تعرضه الأحلام ليس خبراً مؤكداً، وإنما هو صور قد يستفيد منها العاقل ثم يمضي بقلب مطمئن.
