من الرؤى اللافتة أن يرى الإنسان في منامه الشمس والقمر معاً في السماء، إما متجاورين أو متقابلين أو أحدهما يقترب من الآخر. والمعهود في الواقع أن الشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل، وإن كان القمر قد يظهر باهتاً في النهار أحياناً، لكن اجتماعهما بوضوح في المنام مشهد مهيب يحمل دلالات خاصة عند أهل التعبير. ويسأل الرائي عادة عن معنى هذا الاجتماع. ونؤكد في البداية أن الرؤى رموز، وأن ما يُقال فيها اجتهاد لا يُقطع به.
القمر في المنام رمز لصاحب الشأن، ولذوي القرب كالأب والزوج والابن، وللنور الهادئ والجمال. والشمس رمز للسلطة الكبرى والعزة والدفء والوضوح، وقد ترمز إلى الملك أو الأب أو الأم بحسب السياق. واجتماعهما في المنام قد يرمز إلى الوالدين معاً، أو إلى اجتماع شخصين ذوي مكانة، أو إلى اجتماع نعمتين كبيرتين في حياة الرائي، كالعلم والمال أو الجاه والولد. وقد يرمز كذلك إلى التوازن بين أمرين متكاملين.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن الشمس والقمر في المنام قد يدلان على الأبوين، وأن رؤيتهما مضيئين راضيين تدل على رضا الوالدين وبرهما. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن اجتماعهما قد يشير إلى ملك ووزيره، أو إلى رجل وامرأة ذوي شأن، أو إلى اجتماع خيرين للرائي. ويُذكر في هذا المقام عند الحديث عن الرؤى المشهورة رؤيا نبي الله يوسف عليه السلام التي جاء فيها ذكر الشمس والقمر والكواكب، وقد فهم منها أهل العلم إشارة إلى أبويه وإخوته، وهي قصة معروفة يُستأنس بمعناها العام دون قياس جازم عليها.
والسياق حاسم في هذه الرؤيا، فإن كانت الشمس والقمر مضيئين متآلفين فذلك أقرب إلى الوفاق والبركة. وإن كسف أحدهما الآخر أو حجبه فقد يدل على تنافس أو خلاف بين من يمثلانهما. وإن اقتربا من الرائي أو سجدا له فذلك باب آخر له دلالته الخاصة. ومشاعر الرائي من طمأنينة أو رهبة تبقى مفتاحاً مهماً للفهم.
وإذا رأت الفتاة غير المتزوجة الشمس والقمر معاً فقد يحمل ذلك على رضا والديها عنها وبركة ذلك في حياتها، أو على اجتماع خيرين لها كنجاح في الدراسة وخطبة طيبة. وأما المرأة المتزوجة فقد ترمز رؤياها إلى زوجها ووالدها، أو إلى استقرار العلاقة بين أسرتها وأسرة زوجها، أو إلى بركة في بيتها تجمع بين الرزق والسكينة.
وأما الرجل فقد تدل رؤياه على بره بوالديه ورضاهما عنه، أو على اجتماع منصب ومال، أو على قربه من شخصين ذوي نفوذ ينفعانه. وقد تكون تذكيراً له بأن يوازن بين عمله وأسرته. وأما الحامل فقد استأنس بعض المعبرين لها بهذه الرؤيا، ورأوا فيها إشارة إلى اجتماع الأسرة حول المولود القادم، وإلى ولادة ميسرة، والله أعلم بما يكون.
ومن التفاصيل الدقيقة: أيهما كان أكثر إضاءة؟ فقد يدل ذلك على أي الشخصين أو الأمرين أعظم أثراً في حياة الرائي. وهل كانا في جهة واحدة من السماء أم متقابلين؟ فالتجاور أقرب إلى الوفاق، والتقابل قد يشير إلى توازن أو مواجهة. وهل نزلا إلى الأرض أو اقتربا من الرائي؟ فذلك قد يشير إلى أن الخير يخصه شخصياً.
ومن الجانب النفسي فإن هذه الرؤيا قد تعبر عن رغبة الرائي في التوازن بين جوانب حياته المختلفة، أو عن تقديره لدور والديه، أو عن شعوره بأنه يقف بين قوتين مؤثرتين. ومن الحكمة أن يتأمل الرائي العلاقات الكبرى في حياته، ويحرص على أن تسير في انسجام.
ومن النصائح العملية لمن رأى هذه الرؤيا أن يبر والديه إن كانا حيين، فيزورهما ويخدمهما ويسعد قلبيهما، وأن يدعو لهما ويتصدق عنهما إن كانا قد رحلا، فإن بر الوالدين من أعظم أبواب الخير.
ومن المعاني الجميلة أن الشمس والقمر يتعاقبان على الأرض بنظام دقيق لا يختل، وفي ذلك تذكير بأن لكل شيء وقته، وأن الحياة تجمع بين النهار والليل، والشدة والرخاء، وأن المؤمن يشكر في السراء ويصبر في الضراء.
ولا ينبغي للرائي أن يقيس رؤياه على رؤى الأنبياء قياساً جازماً، فرؤى الأنبياء وحي، ورؤى سائر الناس قد تصدق وقد تكون من حديث النفس، والتواضع في فهمها أولى.
وقد يتأمل المعبر كذلك في لون السماء التي اجتمعا فيها، فإن كانت زرقاء صافية فذلك أقرب إلى الوضوح والطمأنينة، وإن كانت في وقت الغروب أو الشروق فقد يرمز إلى مرحلة انتقال في حياة الرائي.
وفي الختام نؤكد أن تفسير هذه الرؤيا اجتهاد بشري ظني، لا يصلح أساساً لقرار ولا دليلاً على غيب. فاحمد الله إن رأيت خيراً، وبر والديك، وأحسن الظن بربك دائماً. فالغيب عند الله وحده لا يعلمه سواه.
