من الرؤى التي تحمل طابعاً عاطفياً خاصاً أن يرى الإنسان في منامه وجه شخص يعرفه مرسوماً على صفحة القمر، كأن القمر صار مرآة تعكس ملامحه، أو كأن ذلك الشخص صار هو القمر نفسه. وقد يكون الوجه لأب أو أم أو زوج أو حبيب أو صديق أو شخص متوفى، وقد يكون لشخص مجهول. ويستيقظ الرائي عادة وهو متأثر بهذا المشهد، يسأل عن معناه. ونذكّر بأن الرؤى رموز تحتمل التأويل، وأن ما نذكره هنا اجتهاد يُستأنس به لا يُجزم.
القمر في المنام رمز للمكانة والجمال والنور، ولأصحاب الشأن في حياة الرائي. وظهور وجه شخص على القمر يربط ذلك الشخص بهذه المعاني مباشرة، فقد يدل على علو منزلته في قلب الرائي، أو على رفعة شأنه بين الناس، أو على أنه مصدر نور وهداية في حياة الرائي. والعرب قديماً شبهوا الوجه الحسن بالقمر، فرؤية وجه في القمر امتداد لهذا التشبيه في لغة الأحلام.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن من رأى وجه إنسان كالقمر فإن ذلك يدل على حسن حاله وصلاح أمره ورفعة ذكره. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رؤية المتوفى في صورة مضيئة كالقمر قد تشير إلى حسن حاله، وهي بشارة لأهله يُستأنس بها ولا يُقطع. وذكر بعض المفسرين أن رؤية وجه الحبيب في القمر قد تكون من حديث النفس وتعلق القلب أكثر من كونها رؤيا ذات دلالة. وهذا التنوع يدل على أهمية معرفة حال الرائي وعلاقته بصاحب الوجه.
والسياق يحدد المعنى، فإن كان الوجه مبتسماً مشرقاً فذلك أقرب إلى الخير والطمأنينة. وإن كان حزيناً أو غاضباً فقد يدل على أن الرائي يشعر بتقصير تجاه ذلك الشخص، أو أن الشخص يمر بهم يحتاج إلى سؤال ودعاء. وإن ظهر الوجه ثم تلاشى فقد يرمز إلى شوق أو بعد. ومشاعر الرائي مهمة جداً، فالفرح بالرؤيا غير الحزن والبكاء.
وإذا رأت الفتاة غير المتزوجة وجه شخص تعرفه في القمر فقد يعكس ذلك مكانته في قلبها، وقد يكون من حديث النفس إن كانت متعلقة به، والأولى أن تحفظ مشاعرها وتسلك الطريق الشرعي ولا تبني على الرؤيا قراراً. وإن كان الوجه لوالدها أو أخيها فقد يدل على فخرها به أو على خير يناله. وأما المرأة المتزوجة فإن رأت وجه زوجها في القمر فقد يحمل ذلك على محبتها له ورفعة شأنه، وإن رأت وجه أحد أبنائها فقد يبشر بنجاحه وحسن خلقه.
وأما الرجل فإن رأى وجه أبيه أو معلمه في القمر فقد يدل على أثرهما الكبير في حياته وعلى بره بهما، وإن رأى وجه زوجته فقد يرمز إلى المودة والسكينة في بيته. وأما الحامل فإن رأت وجهاً جميلاً في القمر فقد رأى بعض المعبرين في ذلك إشارة إلى مولود حسن الوجه، والله أعلم، ولا يُبنى على ذلك يقين في شكل الجنين أو جنسه.
ومن التفاصيل التي تعين على التأويل: وضوح الملامح، فالوجه الواضح أبلغ في الدلالة من الملامح الغامضة. وهل تحدث صاحب الوجه أو أشار؟ فإن قال خيراً فهو أقرب إلى البشارة. وهل كان الوجه لشخص متوفى؟ فرؤية المتوفى مضيئاً يُستأنس بها لحسن حاله، ويُستحب لمن رآها أن يدعو له ويتصدق عنه. وهل كان الوجه مجهولاً؟ فقد يرمز إلى شخص سيدخل حياة الرائي قريباً.
ومن الجانب النفسي فإن رؤية وجه شخص في القمر كثيراً ما تعبر عن انشغال القلب به، سواء كان حباً أو شوقاً أو حزناً على فراقه. فالعقل في النوم يجمع بين صورة المحبوب وصورة الجمال والنور في مشهد واحد. وإن كان الشخص متوفى فقد تعبر الرؤيا عن الحنين إليه ومحاولة النفس التصالح مع الفقد.
ومن النصائح العملية أن يصل الرائي من رأى وجهه إن كان حياً، فيسأل عنه ويعبر له عن مودته، وأن يدعو له ويتصدق عنه إن كان ميتاً، فهذا هو الأثر النافع الحقيقي للرؤيا في اليقظة.
ومن المعاني الجميلة أن الإنسان يصير قمراً في عيون من يحبونه بحسن خلقه وإحسانه، فليحرص كل منا على أن يكون نوراً لأهله وأصحابه، وأن يترك في القلوب أثراً طيباً يذكرونه به.
ولا ينبغي للرائي أن يحمّل الرؤيا معاني تتجاوز حدودها، كأن يظن أنها دليل على مشاعر الآخرين نحوه أو على قدر محتوم، فالقلوب بيد الله، والأقدار عنده.
وقد يلتفت المعبر إلى ما إذا كان الوجه ثابتاً في القمر طوال الرؤيا أم ظهر لحظة ثم عاد القمر إلى صورته المعتادة، فالثبات أقرب إلى رسوخ مكانة ذلك الشخص، واللمحة العابرة أقرب إلى ذكرى أو خاطر مر بالبال.
وفي الختام نؤكد أن تفسير هذه الرؤيا اجتهاد بشري ظني لا يصح أن يُبنى عليه قرار في علاقة أو زواج، ولا يُتخذ دليلاً على غيب. فاحمد الله إن رأيت ما يسرك، وادع لمن تحب، وأحسن الظن بربك في كل حال. فالغيب عند الله وحده.
