يرى بعض الناس في منامهم السماء وقد امتلأت بأقمار عدة، ثلاثة أو أربعة أو أكثر، تتلألأ في مواضع مختلفة، فيشعرون بمزيج من الانبهار والغرابة. وهذه الرؤيا تختلف عن رؤية قمرين، لأن الكثرة هنا تحمل دلالات أوسع تتصل بالوفرة والتعدد والجماعة. ويكثر السؤال عنها لأنها تخرج عن المألوف تماماً. وكما هو الحال في كل الرؤى، فإن ما يذكره المعبرون في تأويلها يبقى اجتهاداً رمزياً قابلاً للاختلاف، ولا يصح أخذه على أنه حقيقة مقررة.
القمر في المنام رمز للشخص العزيز ذي المكانة، وللنور والهداية والجمال. وحين تتعدد الأقمار يتجه كثير من المعبرين إلى معنى الكثرة في هذه الرموز، كأبناء متعددين صالحين، أو إخوة متحابين، أو أصحاب أوفياء، أو علماء ينتفع بهم الناس. وقد يرمز التعدد كذلك إلى أبواب رزق متنوعة أو فرص كثيرة تتاح للرائي. غير أن الكثرة قد تحمل أحياناً معنى التشتت، حين لا يعرف الرائي إلى أي الأقمار ينظر.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن رؤية أقمار كثيرة قد تدل على أولاد أو إخوة أو أهل بيت ذوي شرف. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن تعدد الأقمار قد يشير إلى كثرة الأمراء أو الرؤساء، وأن ذلك قد يكون خيراً إن اجتمعت كلمتهم أو فتنة إن اختلفوا. وذكر بعض المفسرين أن الأقمار المتعددة المنتظمة في صف واحد أقرب إلى معنى الأسرة المتماسكة، وأن تبعثرها في السماء أقرب إلى معنى التفرق. وهذه أقوال تختلف ولا يُجزم بأحدها.
ويتوقف المعنى على هيئة الأقمار، فإن كانت كلها مضيئة جميلة فذلك أدعى للتفاؤل بالخير الكثير. وإن كان بعضها مضيئاً وبعضها مظلماً فقد يشير إلى تفاوت في أحوال من يمثلونها. وإن تحركت الأقمار أو تصادمت فقد يختلف المعنى إلى الاضطراب. ومشاعر الرائي مهمة جداً، فالرائي الذي يشعر بالبهجة وهو يرى الأقمار يختلف عمن يشعر بالحيرة والارتباك أمام كثرتها.
وإذا رأت الفتاة غير المتزوجة أقماراً كثيرة فقد يحمل ذلك على كثرة الفرص المتاحة لها في الحياة، أو على محبة الناس لها وتقديرهم إياها، وقد يكون تنبيهاً لها إلى أن تحسن الاختيار بين ما يُعرض عليها. وأما المرأة المتزوجة فقد ترمز الأقمار في رؤياها إلى أبنائها وبركة ذريتها، أو إلى اجتماع الأهل والأقارب على خير. وفي الحالين يُستحب حمل الرؤيا على أحسن وجوهها مع عدم الجزم.
وأما الرجل فقد تشير رؤياه إلى اتساع دائرة علاقاته ومعارفه، أو إلى تعدد مصادر رزقه، أو إلى ذرية صالحة يُرزقها. وقد تكون أيضاً دعوة إلى التركيز إن كان يشعر بتشتت بين مشاريع كثيرة. وأما الحامل فقد رأى بعض المعبرين أن هذه الرؤيا تحمل لها معنى البركة في الذرية واجتماع الأهل حولها عند الولادة، دون أن يُستنبط منها عدد الأجنة أو جنسهم، فذلك مما اختص الله بعلمه.
ومن التفاصيل التي تدقق التأويل: عدد الأقمار إن تذكره الرائي، فقد يربطه بعض المعبرين بعدد أفراد أسرته أو بعدد أمور تشغله. وهل كان أحد الأقمار أكبر أو أبهى من البقية؟ فقد يرمز إلى شخص رئيس في حياة الرائي. وهل غابت الأقمار واحداً بعد الآخر؟ فذلك قد يشير إلى تغير الأحوال تدريجياً. وكل هذه التفاصيل تضيف معنى ولا تحسمه.
ومن الجانب النفسي قد تعكس هذه الرؤيا امتلاء ذهن الرائي بأفكار ومشاريع ومسؤوليات متعددة، فيعبر العقل عن ذلك بصورة السماء المكتظة بالأقمار. وقد تكون أيضاً تعبيراً عن الشعور بالامتنان لكثرة النعم والأحبة. ومن النصائح العملية أن يرتب الرائي أولوياته، ويحدد ما يستحق اهتمامه أكثر من غيره.
ومن جميل ما يُستفاد من هذه الرؤيا أن يتذكر الإنسان نعم الله الكثيرة عليه، فيحصيها ويشكر عليها، ويصل من حوله ممن هم أقمار في حياته، فالشكر سبب لدوام النعم وزيادتها.
وقد ذكر بعض أهل التعبير أن الرائي إذا رأى نفسه يعد الأقمار واحداً واحداً بهدوء، فذلك يشير إلى حسن تدبيره لأموره وقدرته على الإحاطة بمسؤولياته. أما إن عجز عن عدها واختلطت عليه فقد يكون ذلك تنبيهاً إلى ضرورة التنظيم وتخفيف الأعباء. وهذه ملاحظات تزيد التأمل عمقاً دون أن تقطع بحكم.
وفي الختام نؤكد أن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، يصيب أحياناً ويخطئ أحياناً، ولا ينبغي أن يكون أساساً لقرار أو توقع جازم. فاحمد الله على ما رأيت من خير، واسأله البركة فيما أعطاك، وأحسن الظن به في كل أمرك. فالغيب كله عند الله، لا يعلمه أحد سواه.
