تكثر رؤى القمر عند الفتيات غير المتزوجات، ولعل ذلك لما يحمله القمر في الثقافة العربية من معاني الجمال والرقة والحلم والانتظار، فهو رفيق الليالي الطويلة وموضع تأملات القلب. فإذا رأت الفتاة القمر في منامها سألت عن معناه، وكثيراً ما يتجه سؤالها إلى أمر الزواج والمستقبل. ومن المهم أن نؤكد لها منذ البداية أن الرؤى رموز تحتمل الوجوه، وأن ما يقوله المعبرون اجتهاد يُستأنس به ولا يُبنى عليه قرار، وأن مستقبلها بيد الله لا بيد المنامات.
القمر في المنام رمز للنور والجمال والمكانة، ولأصحاب الشأن كالأب والزوج والأخ والعالم. وفي رؤيا الفتاة العزباء يتجه كثير من المعبرين إلى ربط القمر بالرجل الذي قد يكون شريك حياتها، أو بوالدها الذي هو سندها، أو بأمنياتها وطموحاتها في الدراسة والعمل. فالقمر عندها قد يكون صورة لما تتمناه من خير، أو لمن تحب من أهلها، أو لنور داخلي تحمله في قلبها.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن المرأة إذا رأت القمر نزل إليها أو دخل حجرها فقد تتزوج رجلاً ذا قدر وشرف. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رؤية الفتاة للقمر مضيئاً قد تشير إلى حسن حالها وصلاح أمرها وقرب ما تتمناه، وأن رؤيتها له مظلماً أو ساقطاً قد تشير إلى هم عابر أو تأخر. وذكر بعض المفسرين أن القمر في رؤيا الفتاة قد يرمز إلى والدها، فإشراقه إشارة إلى صلاح حاله ورضاه عنها. وهذه الأقوال متعددة لا يُلزم بأحدها.
فإن رأت الفتاة القمر بدراً مكتملاً مضيئاً فذلك عند كثير من المعبرين بشارة بتمام أمر ترجوه، كخطبة طيبة أو تخرج أو وظيفة. وإن رأت الهلال فقد يرمز إلى بداية مرحلة جديدة في حياتها تنمو شيئاً فشيئاً. وإن رأت القمر يقترب منها أو يدخل غرفتها فقد يحمل ذلك على قرب الخير منها. وإن رأته يبتعد أو يختفي خلف السحاب فقد يدل على أمر يحتاج إلى صبر وانتظار.
وإن رأت الفتاة نفسها تلمس القمر أو تحتضنه فقد استبشر لها بعض المعبرين بنيل أمنية عزيزة، أو بارتباط برجل صالح يكون لها سكناً. وإن رأت وجه شخص تعرفه في القمر فقد يكون ذلك من حديث النفس وتعلق القلب، والأولى ألا تبني على ذلك شيئاً، وأن تحفظ قلبها ومشاعرها، وتسلك في أمر الزواج طريق الاستخارة والاستشارة وموافقة الأهل.
وإن رأت القمر أحمر أو مظلماً أو ساقطاً فلا ينبغي لها أن تنزعج، فقد تكون الرؤيا انعكاساً لقلق تمر به، أو تنبيهاً لطيفاً إلى التأني في قرار عاطفي، أو مجرد أضغاث لا معنى لها. والأولى أن تستعيذ بالله من شرها، ولا تحدث بها من يسيء تأويلها، وتمضي في يومها بقلب مطمئن.
ومن التفاصيل التي تعين على الفهم: حالة الفتاة النفسية قبل النوم، فإن كانت تفكر كثيراً في أمر الزواج أو تنتظر رداً من أحد فقد تكون الرؤيا من حديث النفس. ومكان الرؤية، فرؤية القمر من بيت أهلها قد ترتبط بشؤون الأسرة، ومن مكان غريب قد ترتبط بسفر أو انتقال. ومن كان معها في الرؤيا، فإن كانت أمها أو أختها فقد يكون الخير مشتركاً.
ومن الجانب النفسي فإن رؤى القمر عند الفتاة العزباء كثيراً ما تعبر عن أحلامها وتطلعاتها، وعن رغبتها في الحب والأمان والاستقرار، وهي رغبات فطرية مشروعة. وقد تعبر أيضاً عن طموحها في التفوق والتميز. ومن الحكمة ألا تجعل الفتاة سعادتها معلقة بحدث واحد، بل تبني حياتها على العلم والعمل والإيمان، وتنتظر ما يقدره الله لها بقلب راضٍ.
ومن النصائح العملية للفتاة التي ترى هذه الرؤى أن تستثمر فترة ما قبل الزواج في بناء نفسها، علماً وخلقاً ومهارة، فإن المرأة المتعلمة الواعية المتصلة بربها قمر في بيتها أينما كانت، وأن تحرص على صحبة الصالحات اللواتي يعنها على الخير.
ومن المهم أيضاً أن تحذر الفتاة من الانسياق وراء من يدّعون معرفة الغيب أو تفسير الأحلام تفسيراً قاطعاً، أو من يطلبون مالاً مقابل تأويلات تتعلق بالزواج والمستقبل، فهذا باب يستغله البعض للتلاعب بمشاعر الفتيات.
وليكن الدعاء رفيقها الدائم، فتسأل الله أن يرزقها الزوج الصالح والذرية الطيبة والحياة الهانئة، وأن يختار لها الخير حيث كان، فإن الله لا يرد من دعاه بصدق.
وفي الختام نؤكد للفتاة أن تفسير رؤياها اجتهاد بشري ظني، لا يُبنى عليه قرار في خطبة أو زواج أو علاقة، ولا يُتخذ دليلاً على مشاعر أحد أو على قدر محتوم. فلتحمد الله على ما رأت من خير، ولتستعذ به مما أقلقها، ولتحسن الظن به دائماً. فالغيب عند الله وحده، وما يختاره لها خير مما تختاره لنفسها.
