من الرؤى الجميلة التي يحكيها الناس أن يرى أحدهم أنه مد يده فلمس القمر، إما لأنه اقترب منه في السماء، أو لأن القمر نزل إليه، أو لأنه صعد حتى بلغه. ويستيقظ صاحب هذه الرؤيا غالباً وفي قلبه شعور بالفرح والدهشة، كأنه نال شيئاً كان مستحيلاً. والتعبير الشائع في العربية عن الطموح البعيد يرتبط بالقمر والنجوم، ولذلك تحمل هذه الرؤيا وقعاً خاصاً. ونؤكد قبل التفسير أن الرؤى رموز، وأن ما يُقال فيها اجتهاد يُستأنس به ولا يُجزم به.
القمر رمز لكل ما هو رفيع وجميل ومضيء، كصاحب السلطان والعالم والأب والزوج والابن، وكالأمنية الكبيرة التي يتطلع إليها الإنسان. واللمس باليد في لغة الرؤى يدل على الوصول والحيازة والقرب الفعلي، فاليد أداة الكسب والعمل. فإذا لمس الرائي القمر بيده فإن المعبرين يتجهون غالباً إلى معنى نيل ما كان يتمناه، أو القرب من شخص ذي مكانة قرباً حقيقياً، أو تحقق أمر كان يراه بعيداً.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن من رأى أنه نال القمر أو أمسكه فإنه قد يصيب منزلة عظيمة أو يتزوج من ذوات الحسب أو يُرزق ولداً ذا شأن. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن لمس الكواكب وتناولها قد يدل على إدراك المطالب العالية وبلوغ الآمال. وذكر بعض المفسرين أن لمس القمر إن كان مصحوباً بحرارة أو ألم فقد يدل على أن ما يناله الرائي يحمل معه مسؤولية أو مشقة. وهذه الأقوال تلتقي في معنى الوصول وتختلف في ما يصحبه.
والسياق يحدد المعنى بدقة، فاللمس الرقيق الهادئ الذي يصحبه شعور بالسكينة غير اللمس الذي يعقبه احتراق أو سقوط. وإن لمس الرائي القمر ثم ابتعد عنه فقد يدل على فرصة يصل إليها لكنها لا تدوم إن لم يحافظ عليها. وإن بقيت يده تضيء بعد اللمس فقد يرمز ذلك إلى أثر طيب يبقى معه، كعلم أو رزق أو سمعة حسنة. ومشاعر الرائي مفتاح أساسي في الحكم.
وإذا رأت الفتاة غير المتزوجة أنها تلمس القمر فقد يحمل ذلك على قرب تحقق حلم عزيز عليها، كخطبة من شخص طالما رأته مثالياً، أو نجاح باهر في دراستها أو عملها. وأما المرأة المتزوجة فقد تشير رؤياها إلى قرب من زوجها بعد بعد، أو إلى حمل كانت تتمناه، أو إلى تحقق أمنية تخص أسرتها. والفرح بالرؤيا مشروع ما دام مقروناً بالدعاء وعدم الجزم.
وأما الرجل فقد تدل رؤياه على تحقق طموح كبير، أو على قرب من رئيس أو صاحب قرار ينفعه، أو على زواج مبارك إن كان أعزب. وقد تكون أيضاً دعوة له إلى أن يمد يده بالعمل لا بالأمنيات فقط. وأما الحامل فقد رأى بعض المعبرين في هذه الرؤيا بشارة بأنها ستحتضن مولودها قريباً، وبأن الله سيقر عينها به، والله أعلم بما في الأرحام.
ومن التفاصيل التي تعين على التأويل: بأي يد لمس الرائي القمر؟ فاليمين في لغة الرؤى أقرب إلى الخير والبركة. وهل لمسه بأطراف أصابعه أم بكفه كاملة؟ فالكف أبلغ في معنى الحيازة. وهل كان أحد يساعده على الوصول إليه؟ فذلك يشير إلى أن هناك من سيعينه في تحقيق مراده. وهل شعر ببرودة القمر أم بدفئه؟ فالدفء أقرب إلى المودة، والبرودة إلى الهدوء والسكينة.
ومن الجانب النفسي فإن هذه الرؤيا تعبر بوضوح عن الرغبة في تحقيق ما يبدو مستحيلاً، وعن الثقة بالقدرة على الوصول. وقد يراها من حقق نجاحاً حديثاً فيعبر عقله عن فرحته بهذه الصورة البليغة. ومن الحكمة أن يحول الرائي هذه الثقة إلى عمل مستمر، فالأحلام لا تُلمس إلا بالجهد والصبر.
ومن اللطائف التي يمكن التأمل فيها أن اليد التي تمتد إلى القمر في المنام قد تذكّر الرائي بأن يمد يده بالخير إلى الناس في اليقظة، فكم من إنسان يرى في معونة صغيرة منك قمراً يضيء ليله المظلم.
ومن آداب الرؤيا الحسنة أن يحمد الرائي الله عليها، وأن يحدث بها من يحب ويثق به فقط، وألا يتعلق بها تعلقاً يجعله ينتظر تحققها دون سعي، فالرؤيا تسر ولا تغني عن العمل.
وقد يذكر بعض أهل التعبير أن من لمس القمر ثم رأى النور ينتقل منه إلى وجهه أو ثيابه، فذلك قد يشير إلى أن الخير الذي يناله سيظهر أثره عليه أمام الناس، كحسن سمعة أو بهاء حال أو رزق يُرى عليه. ومن لمسه ثم أخفى يده فقد يدل على خير يكتمه ويحفظه لنفسه. وهي إشارات تُذكر للاستئناس فقط.
وفي الختام نؤكد أن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، لا يُبنى عليه قرار في زواج أو عمل أو مال، ولا يُتخذ دليلاً على غيب. فاحمد الله واسأله أن يبلغك ما تحب مما فيه خيرك، وأحسن الظن به في كل حال. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده.
