أصبحت رؤيا السفر إلى القمر أكثر شيوعاً في عصرنا بعد أن صار الصعود إلى الفضاء حقيقة يشاهدها الناس في الصور والأفلام، فيرى بعضهم في منامه أنه يركب مركبة فضائية أو يطير بلا وسيلة حتى يبلغ القمر. وهي رؤيا تجمع بين الإثارة والدهشة، وتترك في النفس سؤالاً عن معناها. ولم يعرف المعبرون القدامى المركبات الفضائية بطبيعة الحال، لكنهم تحدثوا عن الصعود إلى السماء وبلوغ الكواكب، ومنه يمكن الاستئناس. ونذكّر بأن كل ما يُقال هنا اجتهاد رمزي يحتمل الخطأ والصواب.
القمر في المنام رمز للمكانة الرفيعة والنور والجمال، ولأصحاب الشأن من حكام وعلماء وكبار. والسفر إليه في لغة الرؤى يحمل معنى السعي إلى بلوغ هذه المكانة، أو الاقتراب من صاحب شأن، أو الانتقال من حال إلى حال أعلى. وقد يرمز كذلك إلى طموح كبير يملأ قلب الرائي، أو إلى مغامرة يقدم عليها في حياته. والصعود عموماً في المنام يرتبط غالباً بالرفعة، ما لم يصحبه خوف أو سقوط.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن من رأى أنه صعد إلى السماء حتى بلغ القمر فإنه قد ينال شرفاً أو منزلة عند صاحب سلطان. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الصعود إلى الكواكب قد يدل على علو الهمة وبلوغ المراد، وأنه إن عاد إلى الأرض سالماً فقد يدل على نيل الحاجة ثم الرجوع إلى أهله بخير. وذكر بعض المفسرين أن الصعود بلا عودة قد يحمل معاني أخرى ينبغي التوقف عندها دون جزم، فالمعنى يتغير بتمام القصة. وهذه أقوال يُستأنس بها ولا يُقطع.
والسياق مهم جداً، فالرحلة الهادئة الممتعة التي يشعر فيها الرائي بالأمان تختلف عن رحلة مضطربة يصاحبها خوف من السقوط أو الضياع. والوصول الفعلي إلى القمر غير الاقتراب منه دون بلوغه، فالبلوغ أدل على تحقق المراد، وعدمه قد يدل على أن الأمر يحتاج إلى مزيد من السعي. ومن رأى نفسه يعود إلى الأرض محملاً بشيء من القمر فقد يدل على رجوعه بمكسب من سعيه.
وإذا رأت الفتاة غير المتزوجة أنها تسافر إلى القمر فقد يشير ذلك إلى طموحات كبيرة في الدراسة أو العمل، أو إلى رغبتها في الانتقال إلى حياة جديدة مختلفة، وقد يحمله بعض المعبرين على ارتباطها بشخص ذي مكانة رفيعة. وأما المرأة المتزوجة فقد تحمل الرؤيا على رغبتها في التجديد والخروج من الروتين، أو على رحلة حقيقية مع أسرتها، أو على ارتقاء في مكانة زوجها ينعكس على البيت كله.
وأما الرجل فقد تدل رؤياه على مشروع طموح يخطط له، أو على سفر بعيد لطلب الرزق أو العلم، أو على ترقٍّ في عمله يقربه من أصحاب القرار. وقد تكون تنبيهاً له إلى ألا ينسى أهله وجذوره في سعيه نحو القمم. وأما الحامل فقد تعبر رؤياها عن انتظارها لمرحلة جديدة كلياً في حياتها هي مرحلة الأمومة، ورأى بعض المعبرين أن العودة السالمة من القمر في رؤياها تبشر بسلامة الولادة، والله أعلم.
ومن التفاصيل التي تدقق المعنى: وسيلة السفر، فالمركبة قد ترمز إلى أسباب منظمة يسلكها الرائي، والطيران بلا وسيلة قد يرمز إلى توفيق غير متوقع أو إلى خيال يحتاج إلى واقعية. ومن كان معه في الرحلة، فالسفر مع الأهل أو الأصحاب يشير إلى نجاح مشترك. وما رآه على سطح القمر، فالجمال والنور غير الوحشة والقفر.
ومن الجانب النفسي فإن هذه الرؤيا كثيراً ما تعبر عن رغبة في الهروب من ضغوط الواقع، أو عن طموح يتجاوز الحدود المألوفة. وقد يراها من يمر بمرحلة يشعر فيها بالضيق ويتوق إلى التغيير. ومن المفيد أن يسأل الرائي نفسه: إلى أين أريد أن أصل حقاً؟ ثم يضع لذلك خطة عملية واقعية.
ومن المعاني التي تستحق التأمل أن الوصول إلى القمر في الواقع لم يتحقق إلا بعلم وصبر وعمل جماعي طويل، وكذلك الأحلام الكبيرة في حياة الإنسان، تحتاج إلى علم يسبقها وصبر يرافقها وتعاون مع الآخرين يعين عليها.
ومما يحسن بالرائي أن يقرن طموحه بالتوكل على الله والتواضع، فإن من رفعه الله لا ينبغي أن ينسى فضله، ومن سعى إلى المعالي فليجعل نيته صالحة ليبارك الله في سعيه.
وقد يلتفت المعبر إلى توقيت الرحلة في المنام، فمن انطلق نحو القمر في الليل والنجوم تحيط به فقد يدل ذلك على سعي يتم في هدوء وبعيداً عن الأنظار، ومن انطلق والناس يودعونه ويدعون له فقد يشير إلى أن سعيه سيكون معروفاً مباركاً بين أهله ومعارفه.
وفي الختام نؤكد أن تفسير هذه الرؤيا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يكون مستنداً لقرار في سفر أو عمل أو مال. فاحمد الله على ما رأيت، واسأله التوفيق والسداد، وأحسن الظن به. فالغيب عند الله وحده، وهو الذي يرفع من يشاء بفضله.
