أن يرى الإنسان في منامه قمرين معلقين في السماء في آن واحد مشهد غريب يثير التساؤل، فالمعهود أن للأرض قمراً واحداً، فإذا تضاعف في المنام بدا الأمر كأنه رسالة تحمل معنى الازدواج أو الاجتماع أو المقارنة. وتتكرر هذه الرؤيا عند بعض الناس في فترات يواجهون فيها خيارين أو يعيشون مع شخصين مؤثرين في حياتهم. وقبل أن نعرض ما قيل في تأويلها نذكّر بأن الأحلام رموز تحتمل وجوهاً متعددة، وأن التفسير اجتهاد يُستأنس به ولا يُعتمد عليه.
يرمز القمر في المنام عادة إلى شخص ذي مكانة أو قرب، كالأب أو الزوج أو الابن أو العالم أو صاحب السلطة، وإلى النور والجمال والهداية. فإذا ظهر قمران كان من الطبيعي أن يتجه التأويل إلى وجود شخصين من هذا النوع في حياة الرائي، أو إلى نعمتين تجتمعان له، أو إلى طريقين متوازيين. وقد يحمل التعدد معنى الوفرة والبركة، وقد يحمل معنى التنافس والازدواجية، والحكم بين المعنيين يرجع إلى هيئة القمرين ومشاعر الرائي.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن رؤية قمرين قد تدل على ولدين صالحين، أو على أخوين ذوي شأن، أو على رجلين عظيمين في البلد. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن القمرين قد يشيران إلى اجتماع وزيرين أو عالمين، أو إلى أمرين يتنازعان قلب الرائي. وذكر بعض المفسرين أن رؤية القمرين متقاربين متساويين في النور أقرب إلى معنى الوفاق، ورؤيتهما متباعدين أو متفاوتين أقرب إلى معنى المنافسة أو الخلاف. وهذه آراء متعددة لا يُقطع بأحدها.
والسياق يغير الدلالة، فإن كان القمران بدرين مكتملين جميلين فذلك أدعى للخير والوفرة. وإن كان أحدهما مضيئاً والآخر باهتاً فقد يشير ذلك إلى المقارنة بين أمرين أحدهما أفضل من الآخر. وإن رأى الرائي القمرين يقتربان حتى يندمجا فقد يدل على وحدة بعد تفرق أو على حسم تردد طال. وشعور الرائي أثناء الرؤيا مفتاح مهم، فالإعجاب والسكينة غير الحيرة والارتباك.
وإذا رأت الفتاة غير المتزوجة قمرين في السماء فقد يرى بعض المعبرين أن ذلك يشير إلى تقدم شخصين لخطبتها أو إلى وقوفها بين خيارين في الدراسة أو العمل، وتكون الرؤيا دعوة لها إلى الاستخارة والتأني والاستشارة. وأما المرأة المتزوجة فقد تحمل الرؤيا على ولدين بارين، أو على خير يأتيها من جهة زوجها وأبيها معاً، أو على اجتماع فرحتين في بيتها. وكل ذلك احتمال يُرجى ولا يُجزم به.
وأما الرجل فقد تدل رؤياه على أنه سيحظى بسندين في حياته، كأخ وصديق، أو بمصدرين للرزق، أو قد تشير إلى أنه موزع بين التزامين يحتاج إلى الموازنة بينهما. وأما الحامل فقد استأنس بعض المعبرين لها بهذه الرؤيا وربطوها بالتوائم أحياناً أو بمولود يكون له شأن، لكن هذا من علم الله الذي لا يُعرف بالرؤى، فلا ينبغي أن تبني عليه توقعاً.
ومن التفاصيل التي يلتفت إليها: موقع القمرين من بعضهما، فالتجاور غير التقابل في طرفي السماء. ولون كل منهما وحجمه، فالتساوي يرجح معنى التكافؤ. وهل نظر الناس إليهما أم كان الرائي وحده يراهما؟ فانفراد الرائي برؤيتهما قد يشير إلى أمر خاص به. ومن رأى أحد القمرين يغيب ويبقى الآخر فقد يكون في ذلك إشارة إلى حسم الأمر لصالح أحد الخيارين.
ومن الجانب النفسي فإن رؤية قمرين قد تكون تعبيراً عن شعور الرائي بالانقسام بين قرارين أو علاقتين أو هويتين، كمن يعيش بين بلدين أو ثقافتين. وقد تكون أيضاً تعبيراً عن الامتنان لوجود شخصين يدعمانه. ومن الحكمة أن يتأمل الرائي حياته ليعرف أين يقع هذا الازدواج، ثم يتعامل معه بوضوح وصدق مع نفسه.
ومن النصائح العملية لمن تكررت معه هذه الرؤيا أن يكتب الخيارين اللذين يشغلانه، ويوازن بين مزايا كل منهما وعيوبه، ثم يصلي صلاة الاستخارة ويستشير من يثق برأيه، فذلك أنفع له من الوقوف طويلاً عند صورة الحلم.
وقد يلتفت المعبر أيضاً إلى ما إذا كان الرائي يشير إلى القمرين ويحدث من حوله عنهما، فذلك قد يدل على أن الأمر سيظهر للناس ويكون حديثهم، أما إن كتم ما رأى في المنام نفسه فقد يكون الأمر خاصاً به لا يطلع عليه غيره. وهي إشارات لطيفة تُذكر للاستئناس.
ونختم بأن تفسير هذه الرؤيا اجتهاد بشري ظني، لا يُعتمد عليه في اتخاذ القرارات أو الحكم على الأشخاص. فإن رأيت ما يسرك فاحمد الله، وإن رأيت ما يحيرك فاستخره وادعه أن يهديك لما فيه الخير. والغيب لا يعلمه إلا الله، وحسن الظن به سبيل الطمأنينة في كل حال.
