أن يرى الإنسان القمر في منامه ساطعاً بشدة، حتى يكاد ضوؤه يحول الليل إلى نهار، رؤيا تبعث في النفس انشراحاً ودهشة. فالقمر المعتاد ذو نور هادئ لطيف، أما في هذه الرؤيا فهو يفيض ضوءاً يغمر المكان ويكشف تفاصيله. ويستبشر كثير من الناس بهذه الرؤيا ويرون فيها علامة خير. ومع هذا الاستبشار المشروع، ينبغي أن نتذكر أن الرؤى رموز تحتمل التأويل، وأن ما نعرضه هنا آراء لأهل التعبير يُستأنس بها ولا يُجزم بها.
القمر رمز للهداية في الظلمة، ولصاحب المكانة من حاكم أو عالم أو أب أو زوج، وللجمال والرفعة. وشدة الإضاءة تضخم هذه المعاني، فتشير إلى قوة الأثر واتساعه، كأن يكون من يمثله القمر في أوج قوته وعطائه، أو أن يبلغ الرائي نفسه مكانة يُعرف بها ويُذكر بالخير. وقد ترمز الإضاءة الشديدة كذلك إلى ظهور الحق وانكشاف ما كان مستوراً، وإلى وضوح الطريق بعد طول تردد.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن القمر إذا رُئي شديد النور فإنه يدل على عدل الحاكم وصلاح الوزير وانتشار الخير في البلد. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن كثرة ضوء القمر قد تشير إلى علم ينتشر أو ذكر حسن يذيع، أو إلى رزق واسع يأتي الرائي. وذكر بعض المفسرين أن الضوء الشديد إذا أزعج الرائي أو آلم عينيه فقد يشير إلى أمر يفوق طاقته، أو مسؤولية ثقيلة تُلقى عليه. وهذا يدل على أن الحكم يختلف بحسب أثر الضوء على الرائي.
والسياق حاكم في هذه الرؤيا، فالإضاءة التي تريح العين وتبعث السكينة غير الإضاءة التي تبهر حتى العمى. وإن كان الضوء يقع على الرائي خاصة فقد يدل على خير يخصه، وإن عمّ المكان كله فالخير عام. وإن رأى الرائي الناس يمشون في نور القمر ويهتدون به فقد يكون في ذلك إشارة إلى نفع يقدمه هو أو من يمثله القمر للناس. والمشاعر المصاحبة من فرح وطمأنينة ترجح الخير، والانزعاج قد يرجح معنى العبء.
وإذا رأت الفتاة غير المتزوجة القمر شديد الإضاءة فقد يُحمل ذلك على تفوقها وظهور مواهبها وثناء الناس عليها، أو على قرب ارتباطها بمن يكون له شأن وذكر حسن. وأما المرأة المتزوجة فقد ترمز الرؤيا إلى رفعة زوجها في عمله أو مجتمعه، أو إلى نجاح أحد أبنائها نجاحاً يرفع رأس الأسرة، أو إلى سعادة تملأ بيتها. وكل ذلك احتمال يرجى من فضل الله.
وأما الرجل فقد تدل رؤياه على ترقية أو شهرة طيبة أو نجاح باهر في مشروع، وقد تشير إن كان صاحب علم إلى انتشار علمه وانتفاع الناس به. ومع ذلك تكون الرؤيا تذكيراً له بأن علو الشأن يقتضي التواضع وحسن الخلق. وأما الحامل فقد استبشر بعض المعبرين لها بهذه الرؤيا، ورأوا فيها إشارة إلى مولود يكون له شأن وذكر طيب، وإلى ولادة يسيرة يغمر بعدها البيت فرح، والله أعلم بما يكون.
ومن التفاصيل التي تدقق التأويل: لون الضوء، فالأبيض الصافي أقرب إلى الطهارة والصدق، والذهبي أقرب إلى الرزق والزينة. وهل كان القمر بدراً أم هلالاً شديد اللمعان؟ فالبدر الساطع أبلغ في معنى التمام. وهل اختفت النجوم من شدة ضوئه؟ فقد يدل ذلك على أن شخصاً واحداً سيعلو على أقرانه. وكل تفصيل يضيف لوناً جديداً للمعنى.
ومن الجانب النفسي قد تعكس هذه الرؤيا حالة من التفاؤل والطاقة الإيجابية يعيشها الرائي، أو رغبة قوية في التميز والظهور. وقد تكون أيضاً تعبيراً عن لحظة وضوح ذهني بعد فترة من التشتت. ومن الحكمة أن يستثمر الرائي هذه الطاقة في عمل نافع، وأن يجعل من نوره نفعاً لغيره.
ومما يحسن التنبيه إليه أن النعمة الظاهرة تحتاج إلى شكر وحذر من الغرور والعجب، فقد يكون في الرؤيا تذكير لطيف بأن ما يناله الإنسان من رفعة فضل من الله يستوجب الحمد والتواضع، وأن يبقى قريباً من الناس يعينهم ويخدمهم.
وقد يلتفت المعبر كذلك إلى ما فعله الرائي في ضوء القمر الساطع، فمن رأى نفسه يقرأ أو يكتب أو يمشي في طريق واضح فذلك أقرب إلى معنى الهداية والانتفاع بالعلم، ومن رأى نفسه يبحث عن شيء مفقود فوجده في ذلك الضوء فقد يدل على عودة حق ضائع أو اهتدائه إلى حل مشكلة طال تفكيره فيها. وهي إشارات تُذكر استئناساً لا قطعاً.
وفي الختام نؤكد أن تفسير هذه الرؤيا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن تُبنى عليه قرارات أو توقعات جازمة. فاحمد الله إن رأيت ما يسرك، وسله أن يجعل لك نوراً في الدنيا والآخرة، وأحسن الظن به دائماً. والغيب عند الله وحده، لا يطلع عليه أحد من خلقه.
