أن يرى الإنسان نفسه في المنام يمشي على سطح القمر، يتنقل بين حفره وتلاله الرمادية، والأرض تبدو من بعيد كرة زرقاء معلقة في الفضاء، رؤيا مدهشة تجمع بين الخيال والرهبة. وقد يشعر الرائي فيها بالخفة، أو بالوحدة، أو بالانبهار، بحسب حاله. وتختلف هذه الرؤيا عن السفر إلى القمر في أن الرائي فيها قد بلغ وجهته وصار يتحرك عليها. وقبل أي تفسير ينبغي التأكيد على أن الأحلام رموز تحتمل التأويل، وأن ما يُذكر هنا اجتهادات لا يُقطع بها.
القمر في الرؤى رمز للمنزلة الرفيعة والنور والهداية، ولأصحاب المقام كالحاكم والعالم والأب والزوج. والمشي على سطحه يعني في لغة التعبير أن الرائي قد صار في موضع هذا الرمز، أي أنه بلغ مكانة أو صار قريباً من صاحب شأن قرباً عملياً، أو أنه يعيش تجربة جديدة لم يعهدها من قبل. والمشي نفسه في المنام يرمز إلى السعي والتقدم في الحياة، فإذا كان على القمر كان سعياً في ميدان رفيع أو غير مألوف.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن من رأى نفسه في موضع القمر أو عليه فإنه قد ينال رفعة أو ولاية بحسب حاله. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الوقوف على الكواكب قد يدل على علو الذكر والوصول إلى ما يطلبه الإنسان من شرف. وذكر بعض المفسرين أن الوحشة على سطح القمر قد تشير إلى أن المكانة العالية قد يصحبها شيء من العزلة، وأن على الرائي أن يحافظ على صلته بالناس. وهذه أقوال يكمل بعضها بعضاً ولا يُلزم بأحدها.
ويتوقف المعنى على تفاصيل المشهد، فالمشي الخفيف المرح يدل على راحة الرائي في موقعه الجديد، والمشي المتعثر الثقيل قد يدل على صعوبة التأقلم. والرؤية الواضحة للأرض من بعيد قد تشير إلى حنين إلى الأهل والجذور، أو إلى قدرة الرائي على رؤية حياته من منظور أوسع. والشعور بالأمان غير الشعور بالضياع، والأول أقرب إلى الخير.
وإذا رأت الفتاة غير المتزوجة أنها تمشي على سطح القمر فقد يحمل ذلك على دخولها مرحلة جديدة، كدراسة في بلد آخر أو عمل في مجال غير مألوف، أو على تميز يجعلها في مكانة ملحوظة. وقد يكون تنبيهاً لها إلى أن تحافظ على علاقاتها بأهلها وصديقاتها وهي ترتقي. وأما المرأة المتزوجة فقد تشير رؤياها إلى انتقال إلى بيت جديد أو بلد آخر، أو إلى تجربة مختلفة في حياتها الأسرية، أو إلى نجاح شخصي تحققه.
وأما الرجل فقد تدل رؤياه على أنه بلغ مرحلة متقدمة في عمله، أو أنه يخوض مشروعاً جديداً بالكامل، وقد يشير الشعور بالعزلة في الرؤيا إلى ضغوط المسؤولية التي يحملها. وأما الحامل فقد تعبر رؤياها عن الإحساس بالخفة أو الثقل في جسدها، وعن انتقالها إلى عالم الأمومة الجديد بكل ما فيه من دهشة، ولا يُستخرج منها شيء عن الجنين أو موعد ولادته.
ومن التفاصيل الدقيقة: هل كان الرائي وحده أم معه آخرون؟ فالصحبة تخفف معنى العزلة وتشير إلى نجاح مشترك. وهل ترك آثار أقدامه على السطح؟ فقد يرمز ذلك إلى أثر طيب يتركه في مجاله. وهل وجد شيئاً على القمر، كنور أو ماء أو كنز؟ فذلك قد يدل على مكسب يجنيه من تجربته. وهل عاد إلى الأرض في نهاية الرؤيا؟ فالعودة السالمة علامة خير.
ومن الجانب النفسي فإن هذه الرؤيا قد تعكس شعور الرائي بأنه في بيئة جديدة لم يتأقلم معها بعد، كوظيفة جديدة أو مدينة جديدة، أو تعكس رغبته في التميز والانفراد. وقد تعبر أيضاً عن الحاجة إلى التأمل بعيداً عن ضجيج الحياة. ومن الحكمة أن يمنح الرائي نفسه وقتاً للتكيف مع التغييرات، وأن يطلب العون ممن سبقوه في الطريق نفسه.
ومن المعاني التي يمكن استخلاصها أن الإنسان مهما ارتفع وابتعد يبقى محتاجاً إلى أرضه وأهله، فرؤية الأرض من القمر تذكير بأن الجذور هي التي تمنح المعنى لكل نجاح، وأن من نسي أصله فقد شيئاً من نفسه.
ويحسن بالرائي إن رأى هذه الرؤيا أن يشكر الله على ما أعطاه من فرص، وأن يحسن استغلالها في الخير، وأن يجعل من كل مكانة يبلغها وسيلة لنفع الناس لا للتعالي عليهم.
وقد يتأمل المعبر كذلك في الضوء الذي يحيط بالرائي وهو يمشي، فإن كان سطح القمر مضيئاً تحت قدميه فقد يدل على أن طريقه الجديد واضح ميسر، وإن كان مظلماً يتلمس فيه خطاه فقد يشير إلى أنه يحتاج إلى علم أو مشورة قبل أن يمضي في أمره.
وفي الختام نذكّر بأن تفسير هذه الرؤيا اجتهاد بشري ظني لا يُعتمد عليه في قرار ولا يُبنى عليه يقين. فاستبشر بالخير، واسأل الله التوفيق، وأحسن الظن به في كل خطوة تخطوها. والغيب كله عند الله، لا يعلمه أحد سواه.
