قد يرى الإنسان في منامه بعوضا يتطاير في شارع يمشي فيه أو يمر به، فيستيقظ متسائلا عن هذا المشهد. والرؤيا رمزية في أصلها، وهي لا تخبر عن شيء سيقع في شارع بعينه ولا تتهم حيا من الأحياء بشيء. وإنما تعكس غالبا مشاعر وأفكارا مرتبطة بحياة الرائي اليومية. ولذلك فكل ما يلي قراءة عامة تحتمل الصواب والخطأ، ويبقى الحكم لحال الرائي.
الشارع في الرؤى يرمز غالبا إلى الحياة العامة والتنقل واللقاء بالناس والمسير اليومي نحو الأهداف. والبعوض يشير إلى المنغصات الصغيرة التي تعترض الإنسان دون أن توقفه. فاجتماعهما قد يعبّر عن مضايقات خفيفة في الحياة اليومية، كزحام أو انتظار أو ضجيج أو أمور عابرة تستهلك الصبر. وقد يدل أيضا على حاجة الرائي إلى حماية هدوئه وهو يخالط الناس ويقضي حوائجه. ولا يعني ذلك سوءا في الطريق، بل حاجة إلى انتباه وصبر.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الطريق أنه قد يدل على أحوال السعي بحسب سعته وسهولته، وأن الطريق الواسع أيسر من الضيق. ونُسب إليه في الحشرات الصغيرة معنى المنغصات القليلة، وهو نقل تتباين ألفاظه بين الكتب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأمور المزعجة الصغيرة في الطريق تدل على عقبات يسيرة تزول سريعا. وصورة البعوض في الشارع من الرموز المركبة الأقل تناولا في الكتب القديمة، ولذلك يبقى باب الاجتهاد فيها واسعا. وتؤخذ هذه الأقوال إشارات عامة لا أحكاما.
وللسياق أثر كبير، فإن كان الشارع مألوفا للرائي فقد تتعلق الرؤيا بأمور يعرفها في محيطه كالدراسة أو العمل أو علاقاته. وإن كان غريبا فقد تدل على مرحلة جديدة يدخلها وتصحبها منغصات بسيطة. وإن كان الشارع مزدحما فقد تعبّر الصورة عن ضغط الحياة المتسارعة. وإن كان هادئا فقد تدل على أمر صغير يعكر صفو يوم هانئ. وتبقى مشاعره في الحلم هي القرينة الأقرب.
وللعزباء قد تشير الصورة إلى حضور اجتماعي كثير وتعليقات متفرقة من هنا وهناك تشغلها وتستهلك انتباهها. وقد تدل على حاجتها إلى الثبات على طريقها وعدم الالتفات إلى كل ما يقال. وللمتزوجة قد تعبّر عن مشاوير البيت وقضاء الحاجات وكثرة الأمور الصغيرة التي تتحملها يوميا. وقد تدعوها إلى تنظيم الجدول وطلب المعاونة. وهذه المعاني احتمالات لا تُجزم.
وللرجل قد تدل الصورة على مشاغل الطريق اليومية بين العمل والبيت وما يتخللها من التزامات صغيرة. وقد تدعوه إلى الصبر في الزحام وعدم تحميل نفسه أكثر من طاقتها. وللحامل قد تعكس الرؤيا قلقها من التنقل وتعب المشاوير، وعليها أن تعرض أي أعراض حقيقية على طبيبها دون الاعتماد على الحلم. وللمريض يبقى الأخذ بإرشاد الطبيب. فالمنام ليس نصيحة طبية ولا بديلا عن الفحص.
ومن التفاصيل الدقيقة وقت اليوم وحال الشارع، فإن كان الوقت ليلا فقد يرتبط المعنى بالأفكار المتكررة عند السكون، وإن كان صباحا فقد يرتبط ببداية الأعمال. وإن كان البعوض قرب أعمدة الإضاءة فقد يدل على انشغال بفكرة واحدة تجذب الانتباه. وإن مضى الرائي في طريقه دون أن يلتفت فقد يرمز ذلك إلى قدرته على تجاوز الصغائر. وإن عاد إلى بيته فقد يدل على رغبته في الأمان والراحة. وكل ذلك رمزي ولا يُبنى عليه جزم.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد تكون الرؤيا تذكيرا بأن التنقل اليومي يستهلك طاقة أكثر مما يظن الإنسان. ويفيد أن يخطط لمشاويره حتى يقلل الازدحام والتشتت. كما يفيد أن يترك لنفسه وقتا للراحة بعد يوم طويل. وإن كان في الواقع يمشي في مكان ظهر فيه بعوض فالأفضل استعمال وسائل الحماية المناسبة. وأي لدغات متكررة مع حمى أو تورم أو أعراض غير معتادة تستدعي مراجعة الطبيب. والحلم ليس نصيحة طبية.
وقد تنشأ هذه الصورة من مشهد حقيقي رآه النائم قرب مصباح أو من صوت طنين سمعه قبل نومه. ولا يلزم أن يكون لكل صورة منامية معنى كبير، فبعضها انعكاس بسيط لما مرّ في اليوم. ويكفي الرائي أن يأخذ منها فكرة نافعة عن حسن تدبير يومه. وقد يفيد أيضا أن يخصص الرائي وقتا يوميا للمشي الهادئ في مكان مفتوح آمن، فهو يخفف التوتر ويصفي الذهن. والطمأنينة وحسن الظن يخففان كثيرا من ثقل الأيام.
وكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، فلا يُبنى عليه خوف ولا قرار مصيري. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعو بالتيسير وصلاح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يراه النائم يبقى احتمالا. اللهم يسّر لكل قارئ دربه وارزقه سكينة القلب.
