قد يرى الإنسان في منامه بعوضا يحوم في مكتبه أو في موقع عمله فيستيقظ متسائلا عن دلالة ذلك. والرؤيا رمزية في أصلها، وهي لا تتضمن اتهاما لأحد ولا نبوءة بحدث معين. وإنما تعكس غالبا أفكار الرائي ومشاعره المرتبطة بما يعيشه في عمله. ولذلك فكل ما يرد هنا قراءة عامة تحتمل الصواب والخطأ، ويبقى الحكم لحال الرائي.
العمل في الرؤى يرتبط عادة بالمسؤولية والسعي والرزق وتنظيم الوقت. والبعوض يرمز إلى المضايقات الصغيرة المتكررة التي تأخذ من الانتباه أكثر مما تستحق. فاجتماعهما قد يعبّر عن مهام يسيرة متلاحقة، كرسائل ومواعيد وتعديلات صغيرة، تثقل على الرائي دون أن تعطل إنجازه. وقد يشير إلى حاجة إلى ترتيب الأولويات وحماية ساعات التركيز. ولا يصح أن يُفهم من ذلك أن في أحد من الزملاء أو المكان عيبا.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الحشرات الصغيرة أنها قد تدل على منغصات قليلة الأثر، وهو نقل يختلف لفظه بين الكتب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأمور الصغيرة المزعجة تدل على تعب يسير في الشأن الذي يظهر فيه الرمز. وتختلف آراء المعبّرين في تفاصيل ذلك. أما صورة البعوض في العمل فهي من الرموز المركبة الأقل تناولا في الكتب القديمة، ولذلك يبقى باب الاجتهاد فيها واسعا. ويحسن الاكتفاء بهذه الأقوال على سبيل الاستئناس.
وأثر السياق واضح هنا، فإن كان الرائي في فترة ضغط كإغلاق حسابات أو تسليم مشروع فقد تعبّر الرؤيا عن ذلك مباشرة. وإن كان في عمل جديد فقد تدل على تفاصيل كثيرة يحتاج إلى استيعابها. وإن كان يعمل من بيته فقد تدل على تداخل شؤون البيت مع العمل. وإن كان عاطلا يبحث عن فرصة فقد تعبّر عن قلق من انتظار طويل. وكل ذلك احتمالات تُختبر بمقارنتها بواقعه.
وللعزباء قد تشير الصورة إلى رغبتها في إثبات نفسها وتعدد المهام الصغيرة التي تثقلها في بدايتها المهنية. وقد تدل على حاجتها إلى مرونة وصبر مع التفاصيل. وللمتزوجة قد تعبّر عن موازنة صعبة بين العمل والبيت وكثرة الطلبات من الجانبين. وقد تدعو إلى توزيع الأعباء وطلب المعاونة من الأسرة. وفي كلتا الحالتين يبقى للرائية أن تأخذ ما يناسبها من التفسير.
وللرجل قد تدل الرؤيا على التزامات صغيرة متراكمة في العمل أو في أمور المعيشة تحتاج إلى جدولة. وقد تدعوه إلى تفويض بعض المهام وعدم حمل كل شيء بنفسه. وللحامل قد تعكس الصورة قلقها من موازنة عملها مع التغيرات الجسدية، وعليها أن تعرض أي أعراض حقيقية على طبيبها دون الاعتماد على الحلم. وللمريض يبقى الأخذ بإرشاد الطبيب أولى من أي تفسير. فالحلم ليس نصيحة طبية.
ومن التفاصيل الدقيقة موضع البعوض، فإن كان على المكتب فقد يرتبط بمهام شخصية تحتاج إلى مراجعة، وإن كان قرب الباب فقد يرتبط بما يدخل على الرائي من طلبات. وإن كان قرب شاشة الحاسوب فقد يشير إلى مشتتات رقمية كثيرة. وإن كان الرائي يطرده بهدوء فقد يدل على قدرته على ضبط يومه. وإن اختفى عند نهاية الدوام فقد يرمز إلى زوال انشغال بانتهاء مهمة. وكل ذلك رمزي غير ملزم.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد تكون الرؤيا تذكيرا بأن الضغط المتراكم يُخفف بالتخطيط. فتحديد أولويات الأسبوع وتخصيص وقت للمهام الصغيرة دفعة واحدة يقللان الشعور بالتشتت. كما أن فترات الراحة القصيرة تحفظ الانتباه وتخفف التعب. وإن كان في موقع العمل بعوض حقيقي فالأولى إبلاغ الجهة المعنية بالصيانة لمعالجة مصادر الماء الراكد وتركيب الحماية المناسبة. وأي لدغات متكررة مع حمى أو تورم تستدعي مراجعة الطبيب، والحلم ليس نصيحة طبية.
وقد تنشأ هذه الصور من إرهاق متراكم أو من سماع صوت حقيقي أثناء النوم أو من كثرة التفكير في العمل قبل النوم. ولا ينبغي أن يتحول المنام إلى هاجس يضاف إلى الأعباء. ويكفي أن يخرج الرائي منه بفكرة نافعة عن تنظيم يومه. ومن المفيد أن يتحدث الرائي مع من يثق به عن عبء العمل إن زاد، فالكلام الصريح يخفف الثقل. وقد يفيد أيضا أن يحدد وقتا ثابتا لإنهاء يومه حتى لا يتسع العمل على حساب الراحة. والطمأنينة وحسن الظن يخففان كثيرا من ثقل الأيام.
وكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، فلا يُبنى عليه خوف ولا قرار مصيري ولا حكم على أحد. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعو بالتوفيق وصلاح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يراه النائم يبقى احتمالا. اللهم ارزق كل قارئ توفيقا في عمله وبركة في رزقه.
