رؤية الأم المتوفاة في المنام من الرؤى التي تثير في النفس مشاعر عميقة، فيها الحنين والاشتياق وربما الحزن القديم الذي يتجدد. وينبغي أن تُقرأ هذه الرؤيا بهدوء بوصفها رؤيا رمزية وليست خبرًا عن حال أحد أو مكانه، فالمنام لا يمنح علمًا بما غاب عن الإنسان. ومن أصدق ما يمكن قوله في مثلها أنها تعبّر عن ذاكرة حيّة في القلب وعن صورة داخلية للأم لا تزول بمرور السنين. ولذلك فالأقرب أن يُنظر إليها بوصفها مرآة لما في نفس الرائي من وفاء وشوق وحاجة إلى الطمأنينة. ويبقى التفسير هنا اجتهادًا عامًا يختلف بحسب كل رائٍ وظروفه.
الأم رمز للحنان والاحتواء والأمان والرعاية، وهي الأصل الذي يستند إليه الإنسان والبيت الذي تتشكل فيه أولى معاني الانتماء. وهي العلاقة العاطفية الأولى، ومن ثم تبقى صورتها في النفس مرجعًا للدفء حتى بعد غيابها عن الحياة اليومية. وحين تظهر في الحلم فإن العقل الباطن يستدعي هذه الصورة لتؤدي دورها الرمزي القديم، فيعود الرائي إلى جذوره وإلى أيام كانت فيها الأمور أبسط. وقد تكون هذه العودة ذكرى جميلة تواسي، وقد تكون ذكرى ثقيلة تحتاج إلى وقت لتهدأ. ولا يجزم أحد بمعنى واحد ثابت لهذا المشهد، ولا يهوَّل منه.
نُسب إلى ابن سيرين في الجملة أن رؤية الأم ترمز إلى الأصل والسند والبيت، وأن هيئتها في الرؤيا تدل على هيئة أمر الرائي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأم قد تشير إلى الدنيا وما فيها من أحوال تتبدل، وأن حسن صورتها يدل على حسن الحال. وتختلف آراء المفسرين في تفصيل ذلك، ولا سيما حين تتعلق الرؤيا بمن غابت عن الحياة، إذ تتباين طرق القراءة وتتسع. كما أن هذا النوع من الرموز أقل تناولًا في الكتب القديمة مقارنة بالرموز الشائعة، فيبقى الاجتهاد فيه أوسع وأقل ضبطًا. والأسلم أن تؤخذ هذه الأقوال إشارات عامة لا أكثر.
وللسياق أثر كبير في فهم الرؤيا. فهيئة الأم في المشهد، أهي مبتسمة هادئة أم صامتة أم متعبة، تلوّن شعور الرائي حين يستيقظ. وللمكان دلالته أيضًا، فالبيت القديم يميل إلى معنى الذكريات والجذور، والمكان الجديد يميل إلى معنى الانتقال والتغير. وللمناسبات القريبة أثرها، كحلول موسم أو ذكرى أو مرحلة صعبة تعيد إلى النفس أحداثًا قديمة. وقد تأتي الرؤيا ببساطة لأن القلب كان مشغولًا بالذكرى قبل النوم.
إذا كانت الرائية عزباء فقد تعبّر الرؤيا عن شوق إلى سند افتقدته، أو عن رغبة في أن تستحضر نصائح أمها وهي تفكر في مستقبلها. وقد تعني أن صورة الأم الداخلية ما زالت ترافقها في قراراتها، فتستأنس بها وتستحضر ما تعلمته منها. وإن كان المشهد هادئًا فهو أقرب إلى معنى السكينة والأنس، وإن كان مؤلمًا فقد يعبّر عن حاجة إلى التعبير عن مشاعر لم تُقل بعد. وكل ذلك احتمالات لا يقين فيها. ومن المفيد للرائية أن تتحدث مع من تثق به من أهلها عما تشعر به.
وأما المتزوجة فقد تدل الرؤيا على اشتياق إلى بيت الأهل وإلى مشاركة الأمومة مع من كانت أقرب الناس إليها. وقد تظهر الأم في الحلم حين تمر المرأة بمرحلة جديدة، كحمل أو ولادة أو مسؤولية جديدة، فيستدعي القلب صورة الأم بوصفها مثالًا للرعاية. وأما الرجل فقد تعبّر الرؤيا عنده عن وفاء للأصل وعن حاجة إلى الاطمئنان في مرحلة ضغط، وعن تقدير ما قدمته أمه في حياته. وقد يجد بعض الرجال صعوبة في التعبير عن هذا الحنين، فيأتي الحلم ليقوم بهذا الدور. وتبقى الدلالة فردية لكل رائٍ.
وللتفاصيل الدقيقة مكانها في القراءة. فإن كانت الأم تتكلم بكلمات قليلة هادئة فقد يكون ذلك صدى لكلمات قديمة في ذاكرة الرائي، وإن كانت صامتة فقد يعبّر الصمت عن حاجة إلى التأمل. وإن كانت ترتدي لباسًا مألوفًا فهو أقرب إلى معنى الألفة والذكرى، وإن ظهرت في هيئة غير مألوفة فقد يعبّر ذلك عن مشاعر مختلطة. وإن كان في المشهد شيء من الطعام أو العطر أو المكان المعتاد فهو من علامات استدعاء الذاكرة الحسية. ولا يصح الجزم بأي معنى بعينه لأي تفصيل.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد تكون هذه الرؤيا فرصة لاستحضار الذكريات الطيبة وتدوينها أو مشاركتها مع أفراد الأسرة في جلسة هادئة. وقد تفتح باب الحوار بين الإخوة والأقارب عن الأم وعن أيامها، فتقوى الصلة بينهم. وقد تذكّر الرائي بالعناية بنفسه وبنومه وغذائه وصحته، فالحزن المكبوت يُتعب الجسد والنفس معًا. وهذه الرؤيا ليست نصيحة طبية ولا نفسية متخصصة، فإن كان الحزن شديدًا ومستمرًا أو كانت الذكرى مؤلمة بدرجة تعطل الحياة، فالكلام مع مختص أو مع أحد الأهل المقربين خطوة نافعة.
وفي الختام فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُبنى عليه قرار ولا اعتقاد جازم. وحسن الظن بالله يبعث في النفس الطمأنينة، والدعاء بالسكينة والثبات والخير للرائي نفسه خير ما يقابل به هذه المشاعر. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا إشارة رمزية تفيد في التأمل وفهم ما في النفس. ويُرجى من الله أن يكتب للرائي الطمأنينة في قلبه وأمره كله.
