رؤية الأم وهي تقبّل الرائي في المنام، كأن تقبّل جبينه أو رأسه أو خده بحنان، من الرؤى التي تحمل دفئًا خالصًا وتعبيرًا عن المودة الصافية. وهي رؤيا رمزية وليست إخبارًا حرفيًا بواقع قائم، فالمنام يصوغ المعاني بصور قريبة من الإحساس المألوف. وقد تدل الصورة على حاجة إلى القبول والاطمئنان، أو على ذكرى حنان قديم، أو على راحة نفسية بعد قلق. ولذلك يحسن النظر في الرؤيا بهدوء مع الانتباه إلى موضع القبلة وإلى مشاعر الرائي. وتبقى القراءة غير جازمة وتختلف من رائٍ إلى آخر.
الأم رمز للحنان والاحتواء والأمان والرعاية والعطاء، وهي الأصل والبيت والعلاقة العاطفية الأولى في حياة الإنسان. والقبلة الأمومية علامة رضا ومودة وبركة معنوية، اعتاد الناس رؤيتها في مواقف الوداع والفرح والمواساة من غير ربط بأي معنى آخر. فاجتماعها مع الأم يستحضر معنى الحنان في أنقى صوره. وقد تعبّر الصورة عن حاجة الرائي إلى أن يشعر بأنه عزيز ومحبوب، أو عن استحضار ذكرى دافئة من الطفولة. ولا تفترض هذه القراءة شيئًا عن حال الأم في اليقظة، وتبقى رمزية غير جازمة.
نُسب إلى ابن سيرين في الجملة أن الأم ترمز إلى الأصل والسند والبيت، وأن حسن هيئتها وقربها في الرؤيا يدل على حسن حال الرائي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأم قد تشير إلى الدنيا وأحوالها، وأن التقبيل في المنام قد يدل على ألفة ونفع وصلة بحسب موضعه وحال الرائي. وتختلف آراء المفسرين في ذلك، ولا يجمعون على قراءة واحدة لكل موضع. والرموز الأقل شيوعًا كصور التقبيل تحديدًا أقل تناولًا بالتفصيل في الكتب القديمة، فيبقى الاجتهاد فيها واسعًا وأقل ضبطًا. ولذلك يحسن أخذ هذه الأقوال إشارات عامة.
وللسياق أثر كبير في فهم الرؤيا. فهل كانت القبلة على الجبين أم الرأس أم اليد؟ وهل كانت عابرة أم طويلة؟ وهل جاءت عند لقاء أم عند وداع أم في موقف مواساة؟ هذه الأسئلة تغير القراءة، فالقبلة على الجبين أقرب إلى الرضا والتقدير، وعلى الرأس أقرب إلى الرعاية والحماية، وعلى اليد أقرب إلى الاحترام والمودة المتبادلة. وما يمر به الرائي من إنجاز أو سفر أو ضغط يلوّن المعنى. وقد تكون الرؤيا صدى لموقف حنون قريب.
إذا كانت الرائية عزباء فقد تعبّر الرؤيا عن حاجتها إلى كلمة اطمئنان وهي تخطو خطوة جديدة، أو عن شعور بأنها مقبولة ومقدَّرة من أهلها. وقد تدل في بعض القراءات على اشتياق إلى دفء الأسرة. وإن كانت القبلة على الجبين فهي أقرب إلى معنى الاعتزاز، وإن كانت عند وداع فقد تعبّر عن مرحلة انتقال. وكل ذلك احتمالات لا قطع فيها، ومن الجيد أن تحافظ الرائية على صلة قريبة وحوار دائم مع أهلها.
وأما المتزوجة فقد تعبّر الرؤيا عن حاجتها إلى الاحتواء والتقدير وسط ما تحمله من مسؤوليات، وعن شوقها إلى حنان بيت الأهل. وقد تكون صدى لتفكيرها في الحنان الذي تمنحه لأبنائها وتتمنى أن تتلقاه. وأما الرجل فقد تعبّر الرؤيا عنده عن امتنان وشعور بالقبول، وعن حاجة إلى حنان لا يسهل عليه طلبه، أو عن تقدير لما قدمته أمه. وقد تدعوه إلى أن يعبّر لأمه عن مودته بكلمة أو زيارة. وتبقى الدلالة خاصة بكل رائٍ.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها. فإن كانت القبلة هادئة مصحوبة بابتسامة فالمعنى أقرب إلى الرضا والطمأنينة، وإن كانت مصحوبة بدمعة فقد تعبّر عن مشاعر عميقة مختلطة. وإن كانت الأم تقبّل الرائي ثم تضمه فهو أقرب إلى الاحتواء الكامل، وإن كانت تقبّل يده فقد يعبّر عن تقدير متبادل. وإن رافقتها كلمة طيبة فهي أقرب إلى التشجيع. وإن كان المكان مضيئًا هادئًا فهو أقرب إلى الانفراج. وكلها إشارات رمزية لا يُجزم بها.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد تكون الرؤيا دعوة إلى أن يبادل الرائي أمه المودة بكلمة طيبة أو لفتة أو زيارة، وإلى جلسة أسرية دافئة يتشارك فيها الجميع الذكريات الحلوة. وقد تفتح حوارًا هادئًا عمّا يحتاجه كل فرد من حنان وتقدير. وقد تذكّر الرائي بأن يعامل نفسه بالرفق وألا يقسو عليها. وهذه الرؤيا ليست نصيحة طبية ولا نفسية متخصصة، فإن كان الحزن شديدًا ومستمرًا أو كانت العلاقة مع الأم مؤلمة، فالكلام مع مختص أو أحد الأهل المقربين خطوة نافعة.
وفي الختام فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُبنى عليه قرار مهم. وحسن الظن بالله يبعث في النفس الطمأنينة، والدعاء بالخير والسكينة والثبات خير ما يقابل به الرائي ما رآه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا إشارة رمزية تفيد في التأمل ولا تغني عن السعي والعمل. ويُرجى من الله أن يكتب للرائي الأنس والطمأنينة في أمره كله.
