صعود الجبل في المنام من المشاهد التي توحي بالحركة والسعي، فهو ليس وقوفًا على حال بل انتقال من أسفل إلى أعلى بخطوات متتابعة. والرؤيا رمزية بطبيعتها، ولا يصح أن تُحمل على أنها خبر حرفي عن المستقبل أو وصف قاطع للحال. قد يرتبط الصعود بطموح أو مشروع أو مرحلة جديدة، وقد يرتبط بتعب مستمر لا يلوح له نهاية. وما يشعر به الرائي أثناء الصعود أهم من مجرد وقوع المشهد، فالحماسة غير الإرهاق، والخوف غير الفضول. لذلك يحسن أن يستعيد الرائي حاله في الحلم قبل أن يبحث عن تفسير جاهز.
الجبل في الرؤى يرمز إلى الهدف الكبير والمكانة العالية والثبات، وقد يرمز إلى عقبة ضخمة تحتاج إلى صبر طويل. والصعود هو فعل التقدم نحو هذا الهدف أو مواجهة تلك العقبة، فهو يربط بين الرمز والجهد المبذول. فإن كان الطريق ممهدًا مال المعنى إلى سهولة الأمر، وإن كان وعرًا مال إلى مشقة تتطلب مثابرة. كما أن الاتجاه نحو الأعلى يوحي بالتحسن والارتقاء، لكنه لا يعني بالضرورة أن النتيجة مضمونة. فالمهم هو معنى الجهد والتدرج لا القفز إلى استنتاج حاسم.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن من صعد جبلًا فقد ينال رفعة وسلطانًا أو يبلغ مرتبة بقدر ارتفاعه فيه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الصعود يدل على السفر أو على الارتقاء في المرتبة وعلو المنزلة إن تمّ بسلام. واختلفت الأقوال في التفاصيل، فمنهم من قيّد المعنى بسهولة الصعود أو صعوبته، ومنهم من جعله مرتبطًا بحال الرائي ومهنته. والرموز الأقل شيوعًا تحتاج إلى حذر أكبر لأنها أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيكون الكلام فيها قريبًا من الاجتهاد العام. ولذلك يُؤخذ ما سبق على سبيل التقريب لا على سبيل الجزم.
يتغير المعنى بتغير المشهد المصاحب، فالصعود في نهار مشرق غير الصعود في ضباب كثيف. وإن كانت الخطوات ثابتة والنفَس منتظمًا فالمعنى أقرب إلى استقرار الجهد وحسن التدبير، وإن كان النفَس متقطعًا والقدمان تتعثران فهو أقرب إلى إجهاد وقلق. وقد يدل بلوغ نقطة استراحة في الطريق على فترة هدوء بين مرحلتين. وكذلك ما يحمله الرائي على ظهره قد يرمز إلى مسؤوليات يتحملها، فالحمل الثقيل يوحي بأعباء، والخفيف يوحي بخفة الأمر. ويبقى لكل رائٍ سياقه الخاص الذي يحدد أي هذه المعاني أقرب.
للعزباء قد يعبّر صعود الجبل عن تقدمها نحو هدف دراسي أو مهني أو عن بحثها عن استقرار عاطفي بخطوات متأنية. وإن كانت تصعد بثقة فقد يدل ذلك على قوة داخلية وعزم، وإن كانت تشعر بالحيرة فقد يدل على ترددها أمام قرار كبير. وللمتزوجة قد يشير إلى جهدها في بيتها ورعاية أسرتها وتطلعها إلى تحسين أحوالهم. وإن رافقها زوجها في الصعود فقد يوحي ذلك بالتعاون بينهما، وإن صعدت وحدها فقد يشير إلى شعورها بتحمل الكثير منفردة. وهذه احتمالات تقريبية لا تُلزم الرائي بنتيجة.
أما الرجل فصعوده قد يرتبط بعمله وتجارته وسعيه إلى مكانة أفضل، وقد يرتبط بمسؤولية أسرة يحاول أن يرفع مستواها. وللطالب أو الشاب قد يمثل مسار الدراسة والتحصيل وما فيه من مراحل. وللمرأة الحامل قد يكون المنام انعكاسًا لشعور الترقب أمام مرحلة جديدة وما يصحبها من إجهاد جسدي ونفسي. وهذا التفسير رمزي لا يتنبأ بحال الحمل ولا بحال الجنين، وهو ليس نصيحة طبية، فمراجعة الطبيب هي المرجع في أمر الصحة. وللمريض قد يعبّر عن رغبة في التعافي وتجاوز التعب، دون أن يدل على مآل المرض.
من التفاصيل المهمة نوع الأرض التي يصعد عليها الرائي، أهي تراب لين أم صخور حادة أم درج منحوت. والأرض الخضراء توحي بالنماء والرزق الهادئ، والصخور توحي بالصلابة وحاجة إلى حذر. ومنها أيضًا مدى ارتفاع الجبل ومقدار ما قُطع من الطريق، فالصعود القصير يوحي بهدف قريب، والطويل يوحي بمسار ممتد. وقد يكون للطقس أثر، فالمطر الخفيف قد يوحي بالتخفيف والخير، والرياح العاتية قد توحي بضغوط خارجية. وكل تفصيل من هذه يضيف طبقة صغيرة إلى المعنى العام ولا يستقل بالتفسير.
من الناحية النفسية قد يعكس صعود الجبل سعيًا واقعيًا نحو أمر يشغل بال الرائي، وقد يكون صدى لتعب تراكم في الأيام السابقة. من المفيد أن يسأل الرائي نفسه عن الهدف الذي يتجه إليه، وهل رسم له خطوات واضحة. ويمكنه أن يقسم الهدف الكبير إلى مراحل صغيرة، فالتدرج في الصعود يشبه التدرج في الحياة اليومية. وإن كان المنام يتكرر مع إرهاق جسدي أو ضيق في التنفس فالأولى مراجعة الطبيب، لأن الأحلام ليست تشخيصًا. والراحة الكافية والنوم المنتظم يخففان كثيرًا من كثافة هذه المشاهد.
هذا كله اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ، ولا يصح أن يُعامل كأنه خبر يقيني عن المستقبل. والأجمل أن يحسن الرائي الظن بالله، وأن يدعو بأن يكتب الله له التيسير والسداد في سعيه. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما الرؤيا إلا إشارة قابلة للتأمل. فليأخذ منها ما يشجعه على المثابرة، وليترك ما سوى ذلك.
