قد يرى الإنسان في منامه جبلًا شاهقًا فيشعر أمامه بالخوف أو الرهبة، وربما يستيقظ وقلبه مضطرب. وهذه الرؤيا من الرؤى الرمزية التي لا تُفهم على ظاهرها، فالخوف في الحلم لا يعني بالضرورة وقوع مكروه في الواقع. وإنما يُنظر إلى ما قد يرمز إليه الجبل في حياة الرائي، وإلى سبب الرهبة التي أحس بها. وتتعدد الاحتمالات بحسب الحال والظروف، فلا يصح الجزم بتفسير واحد. ويحسن أن يستقبل الرائي هذه الصورة بهدوء وتأمل لا بقلق وتشاؤم.
يرمز الجبل في الغالب إلى الثبات والعلو، وقد يرمز إلى هدف كبير أو مرحلة صعبة أو مسؤولية ضخمة تتطلب جهدًا طويلًا. وحين يقترن بالخوف فقد يعبّر المشهد عن رهبة من أمر يبدو أكبر من الطاقة الحالية للرائي. وقد يكون هذا الأمر دراسة أو وظيفة أو قرارًا عائليًا أو مشروعًا يتردد في بدئه. وقد يشير أيضًا إلى هيبة شخص صاحب مكانة يحس الرائي أمامه بالصغر. ويبقى المعنى الأقرب هو الذي ينسجم مع واقع الرائي ومشاعره.
نُسب إلى ابن سيرين أن الجبل قد يدل على رجل عظيم القدر أو صاحب سلطة، وعلى هذا فُهمت رهبة الجبل عند بعض الشراح على أنها رهبة من ذي نفوذ أو من أمر عظيم. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجبل يتصل بالعزة والمنعة، ويُفهم من الخوف منه شعور بالضعف أمام قوة غالبة. وتختلف عبارات المعبرين في هذا الباب، وقد يخالف بعضهم بعضًا. كما أن صورة الخوف من الجبل تحديدًا أقل تناولًا في الكتب القديمة من صور الصعود والارتفاع. ولذلك تُقرأ هذه الأقوال على سبيل الاستئناس وحده.
للسياق أثر كبير في هذه الرؤيا، فالخوف الذي يصحبه شعور بالإعجاب بعظمة المنظر يختلف عن الخوف الذي يصحبه رغبة في الفرار. فإن كان الجبل جميلًا هادئًا والرهبة خفيفة، فقد يدل ذلك على احترام لأمر عظيم أمام الرائي لا على شر قادم. وإن كان الجبل مظلمًا أو متشققًا والخوف شديدًا، فقد يعبّر عن قلق حقيقي من عقبة كبيرة أو ضغط متراكم. وينفع أن يتأمل الرائي ما يجري في حياته من مسؤوليات ثقيلة. وإن لم يظهر له ارتباط واضح فلا حاجة إلى التكلف في البحث عن تفسير.
إذا رأت الفتاة غير المتزوجة أنها تخاف من جبل، فقد يرتبط ذلك برهبة من خطوة مقبلة كدراسة جديدة أو انتقال أو اتخاذ قرار مهم في حياتها. وقد يعكس خوفها من عدم القدرة على بلوغ ما تطمح إليه، وهذا شعور شائع عند كثيرين. أما المرأة المتزوجة فقد يشير الحلم عندها إلى انشغال بأعباء البيت وتربية الأبناء، أو إلى خوف من تبعات كبيرة تحملها. وقد يكون دعوة لها إلى تقسيم المهام وطلب العون من المحيطين بها. وتبقى هذه القراءات احتمالات رمزية لا تُلزم إنسانًا.
أما الرجل فقد يدل خوفه من الجبل على رهبة من مسؤولية في العمل أو من التزام مالي أو من منافسة قوية. وقد يرتبط بشعور بأن الطريق إلى الهدف طويل وأن الجهد المطلوب فوق ما اعتاد عليه. وإذا رأته المرأة الحامل فقد يعبّر عن قلق طبيعي من مرحلة الولادة وما بعدها، وهو شعور يمر به كثير من النساء. ولا يصح اعتبار الحلم دليلًا طبيًا على حال الحمل، وعلى الحامل أن ترجع إلى طبيبتها في كل ما يخص صحتها وصحة جنينها. والأولى أن تلتمس الطمأنينة بالدعاء وبالدعم من أسرتها.
التفاصيل الصغيرة قد تضيء المعنى، ومنها حجم الجبل ولونه والمسافة بينه وبين الرائي، وهل كان وحده أم معه رفيق. فالجبل البعيد المخيف قد يشير إلى هدف لم يقترب منه الرائي بعد، والجبل القريب قد يشير إلى تحدٍّ حاضر. وإذا كان مع الرائي من يطمئنه فقد يدل ذلك على وجود سند يخفف الرهبة. وإذا تحول الخوف في آخر الحلم إلى هدوء أو إعجاب، فقد يُقرأ ذلك على أنه انتقال من التردد إلى الاستعداد. ومع ذلك لا يُبنى تفسير جازم على تفصيل واحد.
من الناحية النفسية قد يكون الحلم تعبيرًا عن ضغط أو توتر متراكم، يظهر في صورة جبل ضخم لأن الدماغ يحول الأعباء المعنوية إلى صور محسوسة. ويمكن للرائي أن يقسّم الهدف الكبير إلى خطوات صغيرة قابلة للتنفيذ، فالجبل يُصعد خطوة بعد خطوة. وقد يفيد تنظيم الوقت والنوم والكلام مع شخص موثوق عن مخاوفه. وإن بقي القلق شديدًا ومؤثرًا في الحياة اليومية فالأفضل استشارة مختص. والحلم ليس نصيحة طبية ولا تشخيصًا لأي حالة نفسية أو جسدية.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُتخذ دليلًا على أمر قادم. وخير ما يفعله الرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعو بالسكينة والتوفيق، وأن يستعين بالله ثم بالأخذ بالأسباب في كل أمر يهمه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يعلم إنسان ما سيأتي به الغد. فإن كان في الرؤيا ما يخيف فليطمئن قلبه ولا يعطها أكبر من حجمها. ويبقى الدعاء وحسن الظن بالله خير ما يقابل به الرائي كل خاطر مقلق.
