رؤية الجبل وهو يتحرك من مكانه من المشاهد الغريبة التي يتوقف عندها الرائي كثيرًا، لأن الجبل عنوان الثبات والسكون. والأحلام في أصلها لغة رمزية تعبّر عن المشاعر والمعاني، وليست أخبارًا حرفية عن الواقع. لذلك يحسن أن يُقرأ هذا المشهد على أنه صورة لتغيّر في أمر كان يُظن راسخًا، لا على أنه إنذار بسوء. وما يُذكر هنا احتمالات تفسيرية قد يصيب بعضها وقد يخطئ، فلا يُجزم بها.
الجبل في الرمزية العامة يدل على الثبات والصلابة والرفعة والسند، وقد يدل على الهدف البعيد أو العقبة الكبيرة بحسب الحال. فإذا رُئي وهو يتحرك من موضعه، فقد يرمز ذلك إلى انتقال أمر كبير في حياة الرائي من حال إلى حال، كتغيّر في عمل أو سكن أو علاقة أو مكانة. وقد يدل على أن عقبة ظنها الرائي لا تزول بدأت تتزحزح، فيكون المعنى انفراجًا وتيسيرًا. وقد يدل أيضًا على أن سندًا كان يعتمد عليه يتغير موضعه أو دوره، فيحتاج إلى التكيّف مع وضع جديد. وفي كل ذلك فالمعنى الغالب هو الحركة والتحول لا الضياع.
نُسب إلى ابن سيرين أن الجبل قد يدل على رجل ذي منزلة أو منعة، وأن ما يحدث له في المنام يُفسَّر بما يحدث لذلك الرجل أو لما يمثله من سلطان وسند. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن تغيّر مكان الأشياء الكبيرة قد يدل على تبدّل الأحوال أو انتقال النفوذ، مع اختلاف في كونه إلى خير أو مشقة. وهذا الرمز بعينه، أي تحرك الجبل من موضعه، قليل التناول في الكتب القديمة، فيُستنبط من الأصل العام. ولذلك هو من الاجتهاد الظني الذي تختلف فيه الآراء ولا ينبغي الجزم به. ويكفي أن يُعامل كإشارة عامة للتأمل والتهيؤ.
يتغير الاتجاه الأقرب بحسب سياق المشهد. فإذا كان الحلم هادئًا لا فزع فيه، وكان الجبل ينتقل بسلاسة، فهو أقرب إلى تغيّر متدرج مقبول يمكن التهيؤ له. وإذا كان الرائي خائفًا يهرب، فقد يعبّر عن قلق من فقدان أمر مستقر أو من تغيّر مفاجئ. وإذا كان الجبل ينتقل إلى موضع أجمل أو أقرب إلى الرائي، فقد يدل على قرب هدف أو تيسير أمر. وإذا كان ينتقل إلى مكان أبعد، فقد يدل على تأخر مراد أو حاجة إلى مزيد من الصبر والعمل.
بالنسبة للفتاة غير المتزوجة، قد تعبّر الرؤيا عن تحوّل في خطط المستقبل كالدراسة أو العمل أو السكن، وقد تدل على رغبة داخلية في تغيير ما ظنته ثابتًا. وقد تعكس كذلك خوفًا من فقدان سند أسري أو صداقة قديمة. أما المرأة المتزوجة فقد تعبّر الصورة عندها عن تغيّر في ظروف البيت، كانتقال أو تبدّل في ترتيب الأسرة أو أوضاعها المادية، وقد تعكس رغبة في استقرار أكبر. ولا ينبغي أن يُبنى على ذلك قرار مصيري، فالأفضل أن يكون دعوة إلى الاستعداد النفسي والتشاور.
أما الرجل فقد تدل الرؤيا عنده على تحول في مجال عمله أو انتقاله من مرحلة إلى أخرى، أو على تغيّر في موازين علاقاته ومسؤولياته. وقد يعني تحرك الجبل بعيدًا عن طريقه انزياح عقبة كانت تعترضه، ويعني اقترابه منه أن الأمر صار قريبًا من المواجهة. وإذا رأت الحامل المشهد فهو في الغالب انعكاس لشعورها بتغيّر كبير قادم في حياتها، وهو شعور طبيعي في هذه المرحلة. والحلم ليس نصيحة طبية، ومن شعرت بأعراض أو قلق في الحمل أو المرض فعليها مراجعة الطبيب المختص.
وللتفاصيل الدقيقة أثر في القراءة، فسرعة الحركة واتجاهها وحال المكان الذي ترك الجبل فراغه كلها عناصر مهمة. والحركة البطيئة قد تدل على تغيّر متدرج، والسريعة قد تدل على تبدّل مفاجئ. وإن ظهر في موضع الجبل القديم أرض واسعة أو أفق مفتوح فقد يدل ذلك على فرصة جديدة، وإن ظهر فراغ موحش فقد يدل على شعور بفقد أو افتقاد. ووجود قريب من الأهل بقرب الرائي يوحي بأن التغيير يخص الأسرة، وانفراده يوحي بأنه شخصي.
من الناحية العملية يمكن للرائي أن يسأل نفسه عن الأمور التي يعتقد أنها ثابتة وقد بدأت تتغير في حياته، وكيف يستعد لها. ومن المفيد أن يكتب ما يخشى فقده وما يرجو كسبه، ثم يضع خطة بسيطة للتعامل مع الاحتمالين. وقد يكون المنام ناتجًا عن تفكير كثير في الانتقال أو التغيير أو عن مشاهدة مقطع غريب، وهذا شائع ولا يحتمل تأويلًا بعيدًا. والأخذ بالأسباب مع التوكل على الله هو خير ما يستعين به الإنسان في كل تحول.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يُعدّ إخبارًا بما سيكون ولا يُبنى عليه قرار مصيري. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وحسن الظن به سبحانه يطمئن القلب ويخفف القلق. ويُدعى الله أن يجعل ما رآه الرائي خيرًا، وأن يبدله بكل تغيّر ما هو أصلح له، وأن يرزقه السكينة والتوفيق. ويبقى على الإنسان أن يعمل بجد، ويدعو بصدق، ويترك ما وراء ذلك إلى علم الله وتدبيره.
