قد يرى الحزين أو المهموم جبلًا في منامه فيشعر بأن الصورة تعكس ثقل ما يحمله في صدره. والرؤيا في أصلها رمزية، تتأثر بالحالة النفسية وما يمر به الإنسان من ضيق وانشغال. فليست كل صورة في المنام نذيرًا أو بشرى، وكثيرًا ما تكون صدى لما في النفس من مشاعر. وما يُذكر هنا اجتهاد في فهم المعاني المحتملة، لا جزم فيه ولا تهويل. وأول ما يُوصى به أن يقرأ الرائي الرؤيا برفق مع نفسه، وألا يزيد همه بكثرة التفكير فيها.
يرمز الجبل في عمومه إلى الثبات والرفعة والصلابة، وقد يدل على سند يُلجأ إليه أو على هدف بعيد يُبلغ بالصبر. وقد يشير في بعض السياقات إلى هم كبير يبدو عصيًّا على التجاوز، ثم يهون بالتدرج وبعون الله. ويتحدد الميل بين هذه المعاني بحسب هيئة الجبل وشعور الرائي وموضعه منه. فالجبل الذي يشعر الرائي أمامه بالأمان يميل إلى معنى السند والثبات، والجبل الذي يضغط على صدره يميل إلى معنى الهم الثقيل. وتبقى هذه كلها احتمالات رمزية.
نُسب إلى ابن سيرين أن الجبل قد يدل على رجل ذي منزلة ومنعة، وأن الصعود إليه قد يُفسَّر ببلوغ حاجة بعد مشقة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجبل قد يرمز إلى من يُعتمد عليه في الشدائد، وأن حاله من الخصب والجدب يؤثر في الدلالة. وتختلف آراء المفسرين في هذه الأبواب، ولا يتفقون على تفصيل واحد يصلح لكل حال. كما أن الرموز الأقل شيوعًا في المنام أقل تناولًا في الكتب القديمة، ولذلك تُؤخذ هذه الأقوال إشارات عامة لا أكثر.
للسياق أثر كبير في فهم الرؤيا. فهل كان الرائي يقف عند سفح الجبل أم يصعده، وهل كان يشعر بثقل في خطواته أم بخفة، وهل كان الجبل واضحًا في النور أم محجوبًا بالضباب؟ وهل كان معه أحد يخفف عنه أم كان وحده؟ هذه التفاصيل تقرّب المعنى من حاله النفسية أكثر من اسم الرمز نفسه. ومن الفائدة أن يدوّن ما رآه ثم يتأمل ما يشغله فعلًا في يقظته.
وفي حق الحزين والمهموم، قد يكون الجبل صورة لما يراه كبيرًا في حياته، كدين أو خلاف أو فقد أو قرار صعب. فالنظر إلى الجبل من بعيد قد يعبّر عن إحساس بحجم المشكلة، والصعود المتدرج قد يعبّر عن أن الحل يأتي بخطوات صغيرة متتابعة. والجبل الذي يُظلل الرائي قد يعبّر عن حاجته إلى سند ومواساة. أما الوصول إلى القمة فقد يُفهم ميلًا إلى معنى الفرج بعد الصبر. وهذه كلها رموز تعبّر عن المشاعر أكثر مما تخبر عن الغيب.
ومن الجميل في هذه الرؤيا أن الجبل يُذكّر بأن الأشياء الكبيرة لا تُحمل دفعة واحدة، وأن الثبات يأتي من الجذور لا من مجرد الارتفاع. فقد يكون في الصورة إشارة هادئة إلى أن الإنسان أقوى مما يظن، وأن الهم الذي يبدو دائمًا يتغير مع الأيام. وليست هذه وعودًا مقطوعة، وإنما قراءة تساعد النفس على الاطمئنان. والأحسن أن يستثمر الرائي هذا المعنى في تخفيف ما يعتصره من قلق.
ومن التفاصيل الدقيقة التي تضيف معنى: وضوح الدرب، ولون الصخر، ووجود ماء أو ظل، وصفاء السماء فوق القمة. فالسماء الصافية قد توحي بانفراج الأفق، والغيم قد يوحي بأن الرؤية لم تتضح بعد. والسفح الأخضر قد يميل إلى معنى السعة، والصخر الجاف إلى معنى الاحتمال. وإن رأى الرائي نفسه يضع حملًا ثقيلًا عند سفح الجبل فقد يعبّر ذلك عن رغبة في التخفف مما يثقله.
ومن الجانب العملي والنفسي، قد تكون الرؤيا صدى لهم متراكم يحتاج إلى تفريغ وتنظيم. فيفيد أن يكتب الإنسان همومه ويرتبها حسب أهميتها، وأن يبدأ بأصغرها قابلية للحل. ويفيده أن يتحدث مع من يثق به من أهل أو أصدقاء، وأن يحافظ على نومه وغذائه ومشيه في الهواء الطلق. وإن طال الحزن أو اشتد حتى أثر في يومه فعليه أن يستشير مختصًا نفسيًا دون تردد، فالمنام ليس نصيحة طبية ولا يغني عن الاستشارة.
ويحسن ألا يجعل الرائي الرؤيا مصدرًا لهم جديد أو سببًا للتشاؤم من الأيام المقبلة. فالمنام لا يحدد مصير أحد ولا يغلق أبواب الفرج. وخير ما يُفعل أن يُحسن الظن بربه، ويكثر من الدعاء وذكر الله، ويستعين بالصبر والعمل. وليتذكر أن ما يبدو اليوم جبلًا قد يصبح غدًا طريقًا مألوفًا قُطع بالتدرج.
وفي الختام، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار مصيري. والدعاء أن يفرّج الله عن كل مهموم همه، وأن يجعل ما رآه خيرًا، وأن يرزقه السكينة وحسن الظن بربه. أما الغيب فلا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا إشارة رمزية تحتمل أكثر من وجه. فليمضِ الرائي بقلب مطمئن، يأخذ بالأسباب ويفوّض أمره إلى ربه.
