رؤية ثلاثة جبال متجاورة مشهد يلفت النظر بعدده المحدد، فالرائي يعد القمم فيجدها ثلاثًا تتقدم وتتأخر في الأفق. هذه الرؤيا رمزية في أصلها وليست وصفًا حرفيًا لما سيقع، ولا ينبغي أن تُقرأ على أنها خبر جازم عن المستقبل. والمعاني المذكورة هنا اجتهادات في فهم الرموز، وهي تتفاوت بين رائٍ وآخر بحسب أحواله وما يمر به. ولذلك يحسن ألا يُبنى على العدد وحده معنى قاطع، وأن تُعد الرؤيا إشارة محتملة لا أكثر.
الجبل في الرموز يدل غالبًا على الثبات والرفعة والهدف البعيد والسند، وقد يدل على عقبة تتطلب صبرًا. وحين يظهر ثلاثة جبال فقد تعبر الصورة عن ثلاثة أمور كبيرة في حياة الرائي، كثلاثة أهداف أو ثلاثة مصادر سند أو ثلاث مراحل أو مسؤوليات. وقد يكون العدد مجرد تفصيل في المشهد لا دلالة له، فالعقل قد يعرض ما يخطر له بأي عدد. والمعنى الأقرب يتحدد بما شعر به الرائي وبما يمر به في يقظته من أمور تتصل بذلك.
نُسب إلى ابن سيرين أن الجبل يرمز إلى رجل ذي منزلة وسلطان، وأن تعدد الجبال قد يدل على تعدد أصحاب الجاه. وعلى هذا قد يُفهم المشهد على أنه ثلاثة رجال ذوي مكانة يكون للرائي صلة بهم. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجبل علامة على العز والمنعة. وتختلف الأقوال في هذه التفاصيل ولا يمكن الجزم بها، كما أن صورة الجبال الثلاثة بعينها قليلة التناول في الكتب القديمة، ولم يُعرف فيها قول مستقر، فيعتمد فيها على القياس والسياق وحال الرائي.
للسياق أثر كبير في هذه الرؤيا. فإذا كانت الجبال الثلاثة متناسقة والمشهد هادئًا، فقد يعبر ذلك عن انسجام بين ثلاثة جوانب مهمة في الحياة. وإذا كانت متفرقة متباعدة، فقد يعبر عن تشتت بين ثلاث مسؤوليات تحتاج إلى تنظيم. وحال الجبال مؤثر، فإن كانت خضراء فهذا يميل إلى الخير والنماء، وإن كانت صخرية فقد تدل على تحديات تتطلب جهدًا. وإن كان الرائي يقف أمامها فقد يعبر عن وقفة تأمل في مساراته، وإن كان يتجه إلى إحداها فقد يعبر عن ميل إلى هدف بعينه.
بالنسبة للمرأة العزباء، قد يعبر هذا المشهد عن ثلاثة جوانب تشغل تفكيرها، كالدراسة والعمل والارتباط، أو عن ثلاثة مصادر سند في حياتها. وقد يدل على مرحلة تحتاج فيها إلى ترتيب أولوياتها. وإن كان الشعور مطمئنًا فهذا يميل إلى معنى التوازن والتيسير بإذن الله. وإن كان فيه حيرة فقد يعكس انشغالها بأكثر من أمر في وقت واحد، وهو أمر إنساني معتاد.
أما المرأة المتزوجة فقد يرتبط المشهد عندها بثلاثة محاور في حياتها، كالبيت والعمل والعلاقات، أو بثلاثة من أفراد الأسرة يمثلون سندًا لها. وقد يرمز إلى مسؤوليات متعددة تحتاج إلى توزيع الجهد. وللحامل أن تفهم المشهد على أنه انعكاس لانشغالها بما يخص المرحلة القادمة من أمور متعددة، دون أن يكون ذلك خبرًا طبيًا أو بديلًا عن استشارة الطبيب. وأما الرجل فقد يدل المشهد عنده على ثلاثة التزامات أو مشاريع أو علاقات مهمة، وعلى حاجته إلى تنظيم الجهد بينها.
وفي التفاصيل الدقيقة يختلف المعنى بحسب المشهد. فإن كانت الجبال الثلاثة متدرجة الارتفاع، فهذا أقرب إلى مراحل متتابعة يعلو بعضها بعضًا. وإن كان أحدها أعلى وأوضح، فقد يدل على أولوية لأحد الأمور الثلاثة. وإن كانت متساوية، فقد تعبر عن تكافؤ الأمور. وإن كانت تلتقي عند قاعدة واحدة، فقد يدل على أصل مشترك يجمع الأمور الثلاثة. وإن كانت تتخللها وديان، فقد يعبر عن فواصل بين مراحل أو أهداف متتابعة.
من الناحية النفسية والعملية، قد تكون هذه الرؤيا انعكاسًا لشعور الرائي بأن هناك ثلاثة أمور كبيرة تتنازع اهتمامه، أو لتركيزه على عدد محدد من الأهداف. والعقل أثناء النوم يعبر عن ذلك بصورة جبال معدودة. ويمكن للرائي أن يستفيد منها بأن يحدد الأمور الكبرى في حياته ويقدر الوقت المناسب لكل منها، وألا يحمّل نفسه أكثر مما تطيق. فتوزيع الجهد بعدل بين الأولويات يخفف الإرهاق ويزيد الإنجاز.
وفي الختام، فإن ما سبق كله اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار مصيري. والأولى أن يستقبل الرائي رؤياه بحسن الظن بالله، وأن يدعو ربه بالتوفيق والسداد ويجعل أمره كله خيرًا. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤى إلا صور رمزية قد تحمل بشرى أو تذكيرًا أو انعكاسًا لما في النفس. فليأخذ الرائي بالأسباب وليتوكل على الله، وليمضِ في طريقه بسكينة وأمل.
