من المشاهد المألوفة التي تتكرر في الأحلام أن ترى قطة تعدو خلف فأر، يفرّ الفأر وتلحقه القطة في أرجاء البيت أو الطريق. وهي صورة قد تبدو في ظاهرها كمشهد طبيعي من الحياة، لكنها في الرؤيا تحمل معاني رمزية يتأملها المفسرون. ومن الواجب أن نذكّر بأن التفسير رمزي لا حرفي، وأن هذا المشهد صورة ذهنية لا خبر عن واقعة. وما يُنقل هنا اجتهاد قد يصيب وقد يخطئ، يُقرأ بهدوء ودون جزم.
الفأر في الرؤى رمز لما صغر وأزعج، كهمّ يسير أو خسارة قليلة أو شاغل يتسلل إلى حياة الإنسان من غير ضجة. والقطة في الرؤيا كائن أليف لطيف عند أهل البيت، يرمز في الغالب إلى ما يحفظ البيت أو إلى من يقوم على شؤونه، وإن كان لها وجه آخر عند بعضهم بحسب هيئتها. وحين تلتقي الصورتان فإن المعنى يتجه إلى علاقة بين الهمّ الصغير وما يدفعه من تدبير أو عناية.
فمطاردة القطة للفأر تُفهم عند كثير من المفسرين على أنها سعي أمر أو شخص أو تدبير نافع إلى إبعاد مضايقة صغيرة عن الرائي. فقد تدلّ على أن في حياته ما يتكفل بدفع الهموم الصغيرة عنه، كأهل أو صديق أو ظرف مناسب. وقد تعبّر عن أن الأمور المزعجة تُعالج من تلقاء نفسها دون جهد منه. وقد تعبّر ببساطة عن شعور بالأمان داخل البيت. وهذا معنى مطمئن يتناسب مع هيئة المشهد.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الفأر قد يدلّ على من يؤذي بأذى قليل خفي، وذهب بعض المفسرين إلى هذا المعنى، فجعلوا القطة رمزاً لمن يتصدى له بحكمة. بيد أن أهل التعبير اختلفوا في هذا الباب اختلافاً ظاهراً، ومنهم من اقتصر على أحوال الرائي النفسية. ولا يجوز أن يُوجَّه هذا التأويل إلى أشخاص بعينهم، ولا أن يُتخذ سبباً لسوء ظن بأحد، فالرؤيا صورة رمزية لا دليل فيها.
وتتفاوت الدلالة بتفاصيل المشهد. فإن كانت القطة هادئة تلاحق الفأر بخفة فالأمر يسير، وإن كانت مضطربة فالتدبير قد يحتاج إلى وقت. وإن أدركت القطة الفأر أو أضاعته فالمعنى يتغير: الإدراك أقرب إلى حسم الأمر، والإضاعة إلى بقاء الشاغل. وإن كان المشهد في البيت فالأمر منزلي، وإن كان في الشارع فبما يتصل بالناس والمعاملات. وللشعور اعتباره: ارتياح أو قلق أو تسلية.
وللرجل قد يدلّ الحلم على من يعينه في دفع همّ صغير في عمله أو بيته، أو على تدبيره الناجح. وللمرأة المتزوجة قد يتصل بحسن إدارتها لبيتها وبمن يعينها من أهلها. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن حماية تحيط بها وطمأنينة من أهلها. وللتاجر قد يشير إلى حسن ضبط حسابه وإبعاده المشكلات الصغيرة. وكل ذلك احتمالات مبنية على التفاؤل الحذر.
ومن الدقائق أن ينظر الرائي إلى لون القطة وحجمها وعلاقتها به، فالقطة الأليفة المعروفة تشير إلى عون قريب، والقطة الغريبة إلى عون من حيث لا يحتسب. وإن كان الفأر يلجأ إلى الرائي أو يحتمي به فقد يعني أن مسؤولية صغيرة ستقع عليه. وإن أخذ الرائي موقفاً محايداً فأمره سهل. وهذه كلها قرائن ظنية لا يُقطع بها.
وفي الجانب النفسي، قد يعكس هذا الحلم شعوراً بالحماية والاطمئنان إلى أن هناك ما يتولى معالجة المضايقات الصغيرة. ويفيد أن يشكر المرء من حوله على عونهم، وأن يحسن التعاون معهم في شؤون البيت. وليتعلم كذلك أن يوزع المهام فلا يحمل كل شيء بنفسه. وبهذا يقلّ ضغطه وتهدأ أحلامه.
وقد يرى المرء هذا المشهد إذا كان في بيته قطة حقيقية أو شاهد مثل ذلك في الواقع أو في مقطع، فيكون الحلم صدىً لما شاهد. وفي هذه الحال لا حاجة إلى تأويل رمزي كبير.
ومن لطائف الصورة أنها تذكّر بأن لكل همّ ما يدفعه، وأن الله جعل لكل أمر مزعج ما يخففه من أسباب. وهذا يبعث على الأمل والصبر والتوكل.
ويحسن ألّا يُبالَغ في ربط القطة بشخص بعينه في حياة الرائي، فالرموز في الأحلام فضفاضة، وقد تعني القطة في موضع شعوراً بالدفء وفي آخر تدبيراً هادئاً، وقد تكون مجرد ذكرى مألوفة من بيت أو طفولة. والأولى أن يأخذ الرائي المعنى العام وهو أن الهموم الصغيرة لها ما يدفعها، وأن الله يهيّئ للإنسان من الأسباب ما لا يخطر بباله.
ومن الناحية العملية يحسن أن يتفقد الإنسان من حوله بالشكر، فمن أعانه في أمر صغير يستحق كلمة طيبة. وأن يتعلم كذلك أن يُعين غيره في همومه الصغيرة، فإن العون يتبادله الناس، ومن كان عوناً لغيره وجد عوناً حين يحتاج. وهذا خلق نبيل ينفع في اليقظة سواء صحّ التأويل أو لم يصحّ.
وفي الختام نقول إن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني لا يصحّ أن يُبنى عليه قرار حقيقي في مال أو عمل أو علاقة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الحلم إلا صور قد يخالطها حديث النفس. فمن رأى ما أزعجه فليدعُ الله بالخير ويحسن الظن به، وليمضِ في شأنه مطمئناً.
