قد تسأل المرأة المطلقة عن معنى رؤية فأر في منامها، وقد تخشى أن تكون الرؤيا إشارة إلى ما مرّت به أو إلى ما ينتظرها. وهي رؤيا شائعة في مرحلة إعادة ترتيب الحياة، حيث تكثر التفاصيل الصغيرة والقرارات الجديدة. ولا بدّ من التنبيه إلى أن تعبير الأحلام رمزي لا حرفي، وأن المشهد صورة ذهنية لا خبر عن واقعة ولا حكم على ماضيها أو مستقبلها. وما يُنقل هنا اجتهاد قد يصيب وقد يخطئ، فلتقرأه بهدوء وثقة.
الفأر في الرؤى رمز لما صغر وأزعج، كهمّ يسير أو خسارة قليلة أو شاغل يتسلل إلى حياة الإنسان من غير ضجة. وهو كائن سريع الحركة سريع الخوف، فيرمز إلى القلق الصغير المتكرر. وفي مرحلة تغيّر الأحوال تكثر مثل هذه الهموم، كترتيب السكن والمصروف والأولاد والعمل وكلام الناس، فتجد لها صورة في المنام. وهذا أمر مفهوم لا يدلّ على نقص ولا على سوء.
فمن رأت منهن فأراً فقد يُفهم من ذلك انشغالها بأمور صغيرة تتعلق بتدبير شؤونها الجديدة، كالنفقات والمواعيد والأوراق ورعاية الأولاد إن وُجدوا. وقد يعبّر عن حساسيتها من كلام الناس وتعليقاتهم، أو عن مخاوف خفيفة من المجهول. وقد يدلّ كذلك على أن شواغل قديمة ما زالت تتردد في الذهن وتحتاج إلى مزيد من الهدوء. وليس في ذلك ما يستدعي الحزن، بل ما يستدعي الرفق بالنفس.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الفأر قد يدلّ على من يؤذي بأذى قليل خفي، وذهب بعض المفسرين إلى هذا المعنى. بيد أن أهل التعبير اختلفوا في هذا الباب اختلافاً ظاهراً، ومنهم من اقتصر على أحوال الرائية النفسية. ولا يجوز أن يُوجَّه هذا التأويل إلى شخص بعينه، سواء كان زوجاً سابقاً أو قريباً أو جاراً، ولا أن يُتخذ سبباً لسوء ظن أو اتهام، فالرؤيا صورة رمزية لا دليل فيها.
وتتغير الدلالة بتفاصيل المشهد. فإن كان الفأر صغيراً هادئاً فالأمر يسير، وإن كان كبيراً أو كثيراً فالهموم أكثر. وإن رأته في بيتها الجديد فالأمر يتصل بترتيبه، وإن رأته في عملها فبأعباء الكسب، وإن رأته في بيت أهلها فبعلاقاتها العائلية. وإن هرب أو ابتعد فهو أدعى للتفاؤل. ولشعورها اعتباره: خوف أو ضيق أو رغبة في الحسم.
ومما يحسن أن تتنبه له أن هذه المرحلة، مهما بدت ثقيلة، هي كذلك فرصة لبناء حياة أصفى وأهدأ. فقد يكون الحلم تعبيراً عن حرصها على أن تبدأ بداية نظيفة مرتبة بلا شوائب. وليس فيه دلالة على أن حياتها ستتعثر، بل على أن همها بالترتيب والطمأنينة حاضر. وهذا شعور صحي يستحق التقدير.
وليحرص من حولها على ألّا يُسمعوها تفسيرات مخيفة أو تعليقات جارحة، وعليها هي ألّا تلتفت إلى ما لا يفيد. فالمطلقة إنسانة كريمة لها كرامتها ومكانتها، ولا تُقاس حياتها بمنام ولا بكلام عابر. والله أرحم بعباده، وهو يعوّض الصابرين خيراً.
ومن الدقائق أن تنتبه إلى ما شغلها قبل النوم، فقد يكون مكالمة أو إجراءً أو ذكرى، فيكون الحلم صدىً مباشراً لذلك. وإن رأت معه ما يدلّ على الخير فقد يكون في الصورة بشرى. وهذه كلها قرائن ظنية لا يُقطع بها.
وفي الجانب النفسي والعملي، يفيد أن تنظم أمورها بخطوات صغيرة، وأن تستعين بمن تثق به من أهل وأصدقاء ومختصين عند الحاجة، وأن تخصص لنفسها وقتاً للراحة والعبادة والهوايات. وأن تحافظ على روتين نوم منتظم وغذاء طيب. وألّا تقارن نفسها بغيرها، فلكل إنسان طريقه وتوقيته.
وقد ترى المرأة هذا الحلم بعد رؤية فأر في بيتها الجديد أو سماع حديث عنه، فيكون الحلم امتداداً لانشغالها العملي ليس إلا.
ومما يحسن ذكره أن المرأة في هذه المرحلة قد تتلقى نصائح كثيرة وآراء متباينة من كل جهة، فيتزاحم ذلك في ذهنها ويظهر في المنام صوراً متفرقة. وخير ما تفعله أن تختار من الأصوات ما ينفعها وتتغاضى عمّا سواه، وأن تعتمد في قراراتها الجوهرية على الاستشارة والاستخارة والتروّي، لا على المنامات ولا على الأقاويل. وهذا من حسن التدبير ومن علامات النضج.
ومن الأمور الطيبة أن تنظر في الحلم إلى جانب القوة فيها، فمن مرّت بتجربة صعبة وهي واقفة تدبّر شؤونها فقد أثبتت قدرتها. وأن تذكر نفسها بإنجازاتها مهما صغرت: مهمة أنجزتها، وبيت رتبته، وطفل ربّته. فهذه الذكرى تعطيها ثقة هادئة تعين على استقبال ما هو آت.
وإن شعرت بوحدة فلتصل رحمها وصديقاتها الصالحات، ولتنشغل بعمل نافع أو هواية أو عبادة، فإن الانشغال بالنافع يملأ الفراغ الذي تسكنه الهواجس.
وفي الختام نقول إن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني لا يصحّ أن يُبنى عليه قرار حقيقي في بيت أو زواج أو مال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الحلم إلا صور قد يخالطها حديث النفس. فلتدعُ الله بالخير وتحسن الظن به، ولتمضِ في يومها مطمئنة، فالله لا يضيع من أحسن الظن به.
