يرى بعض الناس في المنام فأراً يسقط في ماء، في حوض أو دلو أو بركة، ويكافح ليبقى طافياً قبل أن يهدأ. وهي رؤيا تثير الشفقة عند البعض والانزعاج عند آخرين، وقد تتكرر عند من يقلقون على أمور بيتهم. وينبغي أن نذكّر بأن تفسير الأحلام رمزي لا حرفي، وأن المشهد صورة ذهنية لا نذير بحادث. وما يُنقل هنا اجتهاد من أهل التعبير قد يصيب وقد يخطئ، فليؤخذ برفق وهدوء.
الفأر في الرؤى رمز لما صغر وأزعج، كهمّ يسير أو خسارة قليلة أو شاغل يتسلل إلى حياة الإنسان. وهو كائن يتحرك بسرعة ويصعب ضبطه، فيرمز إلى القلق الصغير المتقلب. وفيه معنى الخوف الذي يضخّمه صاحبه. وأما الماء فله عند المفسرين معانٍ متعددة، فقد يرمز إلى الرزق والحياة، وقد يرمز إلى الهموم التي تغمر الإنسان حين تكثر عليه. فاجتماع الفأر والماء صورة تحتاج إلى النظر في سياقها.
ويُفهم غرق الفأر عند كثير من المفسرين على أنه تعبير رمزي عن غمر همّ صغير بما هو أكبر منه، أو عن زوال شاغل مزعج حين يغمره الواقع بما فيه من يسر ورزق. وقد يدلّ على أن الرائي سيتجاوز مسألة كانت تثقل عليه بعد أن تطغى عليها أحداث أخرى. وقد يعبّر أيضاً عن شعور بالتعاطف مع من يعاني بصمت، فتكون الشفقة هي لبّ الرؤيا. ويجب أن يبقى المشهد في إطاره الرمزي الهادئ بعيداً عن كل قسوة.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الفأر قد يدلّ على من يؤذي بأذى قليل خفي، وذهب بعض المفسرين إلى هذا المعنى، فجعلوا غرقه إشارة إلى انحسار مثل هذا الأذى. بيد أن أهل التعبير اختلفوا في هذا اختلافاً ظاهراً، ومنهم من لا يحمل الصورة إلا على أحوال الرائي وهمومه. ولا يجوز أن يُوجَّه هذا التأويل إلى إنسان حقيقي أو أن يُتخذ ذريعة لسوء الظن، فالرؤيا رمزية لا دليل فيها على أحد.
وتتفاوت الدلالة بتفاصيل المشهد. فإن كان الماء صافياً فالأمر أخفّ وأقرب إلى الخير، وإن كان كدراً فقد تكون الهموم أثقل قليلاً. وإن غرق الفأر في إناء صغير فالمسألة محدودة، وإن غرق في بحر أو نهر فالمعنى أوسع وأبعد. وإن أنقذه الرائي فقد يدلّ على رحمة في نفسه أو على إصلاح أمر قبل أن يتفاقم. وإن رأى الفأر يخرج سالماً فالأمر أدعى للتفاؤل. ولا ننسى شعور الرائي: شفقة أو راحة أو حيرة.
وللرجل قد يتصل الحلم بانشغاله بأمر مالي يسير يخشى أن يغرقه في التفاصيل، أو بحاجته إلى إنقاذ شأن صغير قبل أن يتعقد. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن انغماسها في تفاصيل البيت التي تثقلها، وحاجتها إلى شيء من التخفيف. وللفتاة غير المتزوجة قد يشير إلى قلق من أمر دراسة أو قرار صغير. وللتاجر قد يتعلق بحسابات صغيرة تتراكم. وكلها معانٍ هادئة لا تحمل نذيراً.
ومن الدقائق أن ينظر الرائي إلى مصدر الماء، فالماء الجاري غير الراكد، والإناء المنزلي غير المسبح أو البحر. وإن كان الماء في المطبخ فالأمر قد يتصل بالرزق والبيت، وإن كان في الحمام فبالأمور الخاصة. وإن رأى بعد ذلك ماءً صافياً أو أرضاً مبتلة بالخير فهو أدعى للتفاؤل. وكل ذلك قرائن ظنية لا يجزم بها.
وفي الجانب النفسي، قد يعكس هذا الحلم شعور الإنسان بأن هموماً صغيرة تتراكم عليه حتى يكاد يختنق بها، فيرى ذلك في صورة كائن صغير يصارع الماء. ويفيد في اليقظة أن يخفف الإنسان أحماله بتقسيم المهام وطلب العون من أهله وأصدقائه، وألّا يحمل كل شيء وحده. وليأخذ استراحة قصيرة في اليوم، وليكثر من الذكر والدعاء. فالصدر إذا خفّ حمله هدأت أحلامه.
وقد يكون الحلم كذلك تعبيراً عن رقة في قلب الرائي تجاه الضعفاء حتى من الكائنات الصغيرة، وهذه الرقة محمودة لا تحتاج إلى تأويل. فمن رحم ما يستحق الرحمة رُجي له خير. وليحافظ على هذا الصفاء ولا يجعل الحلم سبباً للانزعاج.
ويحسن ألّا يقف الرائي طويلاً عند تفاصيل المشهد، فالمراد في لغة الرؤى هو المعنى العام: همّ صغير غُمر فهدأ. وقد يرى المرء مثل هذا الحلم وهو في طور الراحة بعد تعب، فيكون صدى لانتهاء ضغط كان يلازمه. وفي هذه الحال هو بشرى نفسية طيبة أكثر منه نذيراً، فليستقبله بحمد وسكينة.
ومن النافع في اليقظة أن يتعلم الإنسان التمييز بين الهموم الحقيقية والهموم المتوهمة، فكثير مما يؤرق في الليل لا يستحق كل هذا الانشغال عند النظر فيه في ضوء النهار. وليكتب ما يقلقه ويراجعه صباحاً مع من يثق به، فسيجد أن حجمه أصغر مما ظن. وبذلك تخف عليه مثل هذه المشاهد الليلية.
وفي الختام نقول إن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني لا يصحّ أن يُبنى عليه قرار حقيقي في مال أو عمل أو علاقة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الحلم إلا صور يخالطها حديث النفس. فمن رأى ما يزعجه فليدعُ الله بالسلامة ويحسن الظن به، ثم يمضي في يومه مطمئناً هادئ البال.
