يُعدّ حلم فأر يتسلق جسد الرائي من الأحلام التي تترك أثراً في النفس عند الاستيقاظ، لأن الشعور بحركة كائن صغير فوق الجسد يوقظ إحساساً بالانزعاج والمفاجأة. وهو من الرؤى التي يكثر السؤال عنها بين الناس، ولا سيما عند من يمرّون بفترة ضغط أو انشغال. ومن المهم أن نذكّر في مطلع الحديث بأن تفسير الأحلام باب رمزي لا حرفي، فالفأر في المنام صورة وليس حدثاً سيقع كما رآه النائم. وما يُذكر هنا إنما هو اجتهادات للمفسرين نقلتها الكتب، لا أحكام قاطعة على حياة أحد.
الفأر في عالم الرؤى كائن صغير سريع الحركة، يُرى عادةً رمزاً لأمر مزعج لكنه محدود الأثر، كشيء يقرض من الطمأنينة قليلاً قليلاً دون ضجيج. وقد يرمز إلى خسارة يسيرة، أو إلى شاغل صغير يتكرر حضوره في الذهن، أو إلى خوف خفيف يفزع صاحبه ثم يزول. وكثيراً ما يكون الفأر تعبيراً عن همّ لم يُحسم بعد، فهو لا يهدّد بقوة لكنه لا يتركك وشأنك. ولهذا ينبغي النظر إلى الصورة بوصفها إشارة هادئة لا إنذاراً مخيفاً.
أما تسلقه على الجسد خاصة، فيُفهم عند بعض المفسرين على أنه اقتراب هذا الهمّ من صاحبه، بحيث لم يعد بعيداً عنه بل صار ملاصقاً لتفكيره وأيامه. فالجسد في الرؤيا يدلّ على صاحبه وأحواله وما يتصل به من عمل وأهل ومال، وحين يعلو عليه كائن صغير فهذا يشبه أمراً بسيطاً يتعلق بالرائي مباشرة ويشغله. وقد يكون الأمر مجرد مسألة معلّقة تحتاج إلى حسم، أو التزام صغير تأخر في إنجازه. وليس في الصورة ما يستدعي الذعر، بل ما يستدعي الانتباه.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الفأر قد يدلّ على إنسان يؤذي غيره بأذى صغير خفي، ويأخذ شيئاً يسيراً على غفلة. وذهب بعض المفسرين إلى هذا المعنى، بينما رأى آخرون أن الصورة تتعلق بحال الرائي نفسه وهمومه الداخلية أكثر من تعلقها بشخص بعينه. وقد اختلف أهل التعبير في ذلك اختلافاً ظاهراً، فلا ينبغي أن يُبنى على قول واحد منها يقين. والأحوط ألّا يُحمَل أي منها على شخص حقيقي في الواقع، فالرؤيا صورة رمزية لا دليل اتهام.
ويتغير المعنى بتغير تفاصيل المشهد وحال الرائي فيه. فإن كان الفأر صغيراً وهادئاً وتسلق ببطء فالأمر أخفّ، وهو أقرب إلى قلق عابر يمرّ سريعاً. وإن كان كبيراً أو كثير الحركة فقد يشير إلى انشغال أكبر في الذهن يحتاج إلى ترتيب. ولون الفأر كذلك له اعتبار عند بعضهم، فالرمادي الهادئ يدلّ على تكرار رتيب في الهموم، والأسود قد يدلّ على قلق مكتوم، والأبيض على أمر أخفّ وأقلّ أثراً. وكذلك شعور الرائي حين تسلّق الفأر، أكان نفوراً شديداً أم دهشة أم لا مبالاة.
وللرجل يُفسَّر تسلق الفأر على جسده أحياناً بأمر صغير يتصل بالعمل أو المال، كدين يسير أو مصروف طارئ أو مهمة مؤجلة تلحّ عليه. وقد يدلّ على شخص ثقيل الظل يقترب منه بكلام أو طلب صغير يستنزف وقته. والحكمة في مثل هذا أن يراجع الرجل أموره الصغيرة ويرتّبها قبل أن تتراكم. فإذا فعل ذلك زال أثر الصورة، وكان الحلم عندئذ تذكيراً لطيفاً بالتنظيم.
وللمرأة، متزوجة كانت أو غير متزوجة، يُفهم الحلم غالباً من جهة شعورها الداخلي، فالقلق من أمر بيتي صغير أو من كلمة قيلت أو من التزام اجتماعي قد يتخذ هذه الصورة في المنام. وليس في ذلك دلالة على سوء بل على انشغال بال يحتاج إلى هدوء وحديث صريح مع من تثق به. وللفتاة العزباء قد يشير إلى تفكير متكرر في أمر مستقبلي أو شعور بالحرج من موقف عابر. وكل ذلك يخفّ بالتروّي وقلة التهويل.
ومن دقائق التفسير أن ينظر الرائي إلى موضع التسلق: فإن كان من القدمين صعوداً فقد يكون في الأمر بداية شاغل جديد ينمو تدريجياً. وإن وصل الفأر إلى الكتف أو الرأس فالأقرب أنه يتصل بأفكار تشغل العقل لا بأحوال المال. وإن نزل الفأر سريعاً أو سقط أو هرب فذلك أدعى للتفاؤل، لأنه يوحي بزوال الشاغل سريعاً. وكل هذا من باب التقريب والاحتمال لا من باب القطع.
ومن الجانب النفسي، كثيراً ما يرى الإنسان مثل هذا المشهد حين تتزاحم في ذهنه أمور صغيرة غير منجزة، فالعقل ينسج منها صورة كائن صغير يتسلق ويلحّ. ويعين على ذلك أن يكتب الإنسان ما يشغله ويرتبه بحسب الأهمية، وأن يعالج الأمور الصغيرة مبكراً قبل أن تتضخم في الخيال. وللنوم الهادئ أثر كبير أيضاً، كإطفاء الأضواء وإبعاد الهاتف وتخفيف العشاء. ومن لزم الهدوء قلّت عنده مثل هذه الصور.
ومهما يكن من أمر هذه التأويلات، فإنها اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصحّ أن تُتخذ أساساً لقرار حقيقي في المال أو العمل أو العلاقات. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا ندّعي أن الحلم يخبر بما سيقع. والأولى لمن رأى ما يزعجه أن يدعو الله بالخير ويحسن الظن به ويمضي في يومه مطمئناً. وليكن أثر الحلم في نفسه دافعاً إلى مزيد من الترتيب والسكينة لا إلى الخوف.
