قد يرى المرء في منامه فأر الحاسوب، ذلك الجهاز الصغير الذي يحرك به المؤشر على الشاشة، فيراه في يده أو على مكتبه أو وهو يتعطل أو يضيع أو يتحرك وحده. وهذا من الأحلام الحديثة جداً التي يراها من يقضون ساعات طويلة أمام الحواسيب في العمل والدراسة. ويجب القول بصراحة إن فأر الحاسوب جهاز حديث لا ذكر له في كتب التعبير القديمة، وإن ما يُقال فيه إنما هو قراءة بالقياس والاستئناس لا نقل عن أحد من أئمة التعبير. والرؤى رموز تُؤوَّل اجتهاداً ولا تُحمل على ظاهرها. وسنعرض ما يمكن قوله بهدوء ودون جزم.
لا صلة بين هذا الجهاز والحيوان إلا في الاسم والشكل، فهو سمي بذلك لأن شكله وسلكه يشبهان الفأر. ومن ثم فإن الحلم به يُقرأ في الغالب من جهة وظيفته لا من جهة اسمه، فهو أداة التحكم والتوجيه والنقر والاختيار على الشاشة. وقد يُفهم منه أن الرائي يفكر في قدرته على التحكم بأموره وتوجيهها، أو في الاختيارات الصغيرة التي يقوم بها كل يوم. وإذا اعتُبر الجانب الاسمي فقد يستدعي معنى الأمر الصغير الذي يحرك أشياء كبيرة. وهذه قراءات بالقياس فقط.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن الفأر الحيوان قد يشير إلى من يؤذي بالقليل في خفاء، وهذا لا يصح نقله إلى الجهاز بحال لأن الجهاز أداة صماء لا صلة لها بذلك. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الفأر قد يدل على منغصات يسيرة ورزق ضئيل. ولم يكن الحاسوب ولا ملحقاته معروفاً في زمانهما، فلا نص لهما فيه. وقد اختلف المعاصرون في قراءة هذه الصور الحديثة، ولا يصح إسقاط شيء منها على أحد. ويبقى الأمر اجتهاداً ظنياً.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل. فإذا كان الفأر يعمل بسلاسة فقد يدل على انسياب في الأمور وقدرة على التحكم، وإذا كان يتعطل أو يتجمد فقد يُقرأ على عارض صغير يعطل سير العمل. وإذا ضاع الجهاز فقد يشير إلى شيء صغير مفقود يشغل البال، وإذا تحرك وحده فقد يرمز إلى شعور بفقدان السيطرة على أمر صغير. وإذا كان لاسلكياً فقد يدل على ارتباط خفي لا يُرى. وهذا كله تأمل بالمناسبة، ويعتمد على شعور الرائي وحاله.
وللفتاة غير المتزوجة قد يرتبط الحلم بدراستها أو عملها المكتبي، وبما تواجهه من تفاصيل رقمية صغيرة ومتابعات متكررة، فيكون صدى لمشاغل اليوم. وللمرأة المتزوجة قد يرتبط بعملها من البيت أو بمتابعة أولادها في دراستهم الإلكترونية. وللحامل قد يرتبط بقضاء أوقات أمام الشاشات أو بمتابعة معلومات عن الحمل. وكل ذلك من انعكاسات الواقع وليس فيه ما يدعو إلى القلق.
وللرجل قد يرتبط الحلم بعمله المكتبي وبمشاكل صغيرة في الأجهزة والبرامج، فيراها في منامه كما يراها في يقظته. وللتاجر قد يرتبط بالعمل على الأرقام والفواتير والمعاملات الإلكترونية، وإلى أهمية حفظ نسخ احتياطية وتنظيم الملفات. وهذه نصيحة عملية معروفة لا علاقة لها بتأويل. ولا يصح أن يُبنى على الحلم أي قرار في شراء أو بيع أو استثمار، فالأمور المالية تحتاج إلى حسابات واقعية وتثبت.
ومن الدقائق التي تثري القراءة: كيف كان حال الجهاز؟ وهل كان في يد الرائي أم في يد غيره؟ وهل كان يعمل أم معطلاً؟ وهل شعر الرائي بالارتياح أم بالإحباط؟ فمن شعر بالإحباط قد يكون متعباً من ضغط العمل الرقمي، ومن شعر بالارتياح قد يكون راضياً عن إنتاجيته. وهذه أمور شخصية لا يُبنى عليها حكم، ولا تتجاوز الاستئناس.
ومن الجانب النفسي، فإن من يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات كثيراً ما تتسرب صور عملهم إلى أحلامهم، وقد تتكرر. وهذا أمر طبيعي يدل على أن الذهن ما زال منشغلاً. ومن النافع أن يأخذ الإنسان فترات راحة منتظمة من الشاشة، وأن يترك الأجهزة قبل النوم بوقت كاف، وأن يمارس حركة جسدية. فالعين والذهن يحتاجان إلى راحة، وصفاء النوم يتبع صفاء النهار.
ومما يفيد أن يعيد المرء ترتيب بيئة عمله الرقمية، فينظم ملفاته ويحذف ما لا يلزم، ويحدد أوقاتاً للانشغال بالشاشات. فإن الفوضى الرقمية تنعكس على النفس كما تنعكس الفوضى المادية. وإذا تحقق شيء من ذلك لاحظ كثيرون أن أحلامهم المتعلقة بالعمل تخف. وهذه تجربة شائعة لا قاعدة جازمة.
وقد يضيف الرائي إلى فهمه أن الحلم قد يكون فرصة للتأمل في علاقته بالتقنية، هل هي خادم له أم هو خادم لها؟ فالأداة الصغيرة بيده تحرك الكثير، لكنها تظل أداة. وكذلك ينبغي أن يبقى هو المتحكم بوقته واهتمامه. وهذا معنى تربوي لطيف يصلح لمن أراد أن يستفيد من الصورة.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، وهذه الصور الحديثة بالذات لا تستند إلى نقل قديم، ولا يجوز أن تكون أساساً لقرار حقيقي في المال أو العمل أو الدراسة أو الزواج. وليتوجه من رأى ما استوقفه إلى الدعاء وحسن الظن بالله. فعلم ما يأتي به الغد محجوب عن الخلق، ومرده إلى الله وحده.
