من المشاهد التي ترد في الأحلام أن يرى المرء فأراً يعبر الطريق أمامه بسرعة، فيتوقف أو يتفاجأ أو يبتسم أو ينتبه. والطريق في الرؤى رمز للمسار والحياة والمرحلة التي يسير فيها الإنسان، فيكون لهذا المشهد معنى خاص عند من يتأملون في الصور. ومع ذلك فإن التأويل اجتهاد ورموز لا تُحمل على ظاهرها، وليس في عبور الفأر ما ينذر بشيء محدد. وسنعرض فيما يلي ما يُقال بلغة هادئة تحترز عن الجزم.
إذا كان الطريق يرمز إلى مسار الحياة، وكان الفأر يرمز إلى الأمر الصغير العارض، فإن عبور الفأر للطريق قد يُقرأ على أنه منغص صغير يعترض سير الرائي ثم يمضي. فهو ليس عقبة كبرى ولا سداً منيعاً، وإنما حركة سريعة يمر بها الإنسان ثم يواصل طريقه. وقد يكون الفأر هنا إشارة إلى أمر طارئ لا يغير الاتجاه العام، ولكنه يتطلب انتباهاً قصيراً. وهذه القراءة تقوم على المناسبة بين الرمزين، وليست جزماً.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن الفأر قد يشير إلى من يؤذي بالقليل في خفاء، ويُذكر هذا على سبيل الاحتمال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الفأر قد يدل على رزق قليل أو منغصات يسيرة، وإلى أن للقرائن الأخرى كلمة الفصل. وقد اختلف المفسرون في ذلك اختلافاً بيناً، فمنهم من رآه نذير ضرر خفيف ومنهم من لم يره شيئاً. ولا يصح أن تُسقط هذه الأقوال على شخص بعينه أو فئة من الناس. وإنما هي آراء اجتهادية قد تُترك.
ويتغير المعنى بحسب ما يجري في المشهد. فإذا عبر الفأر من اليمين إلى اليسار أو العكس فبعض الناس يلتفت إلى الاتجاه، لكن ذلك مما لا يُعتمد عليه كثيراً. وإذا عبر ببطء فقد يشير إلى أمر عارض يمتد قليلاً، وإذا عبر بسرعة فقد يشير إلى أمر ينتهي سريعاً. وإذا كان الطريق مزدحماً فقد يتعلق الأمر بحياة الرائي بين الناس، وإذا كان خالياً فبأمر شخصي. وإذا توقف الرائي ليراقب فقد يدل على رغبته في فهم ما يعترضه.
وللفتاة غير المتزوجة قد يدل عبور الفأر للطريق على أمر صغير عابر في مسيرتها، كحديث عابر أو موقف طارئ لا يؤثر في خطتها الأكبر. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى مستجدات صغيرة في شؤون الأسرة تمر وتنتهي. وللحامل قد يكون الحلم انعكاساً لترقبها وانتباهها لكل حركة صغيرة. وفي كل ذلك لا يوجد ما يُقلق، فالفأر مرّ ومضى، والطريق ما زال أمام صاحبه.
وللرجل قد يشير المشهد إلى عارض صغير في عمله أو سفره أو التزاماته يعبر ثم يزول، كتأخر بسيط أو تغيير في موعد. وللتاجر قد يرمز إلى منغص مالي صغير في صفقة أو تأخر يسير في بضاعة. وهذا من قبيل الاستئناس، ولا يصلح أن يكون سبباً لإلغاء صفقة أو تأجيلها. فالقرارات الحقيقية تُبنى على المعطيات الواقعية والمشورة الصادقة.
ومن الدقائق التي تثري القراءة: هل ارتبك الرائي أم استمر في سيره؟ فمن استمر في سيره قد يُقرأ حاله بقدرته على تجاوز الأمور الصغيرة دون توقف. وهل كان الفأر كبيراً أم صغيراً؟ وهل كان واحداً أم عدة فئران؟ فالعدد الكبير قد يشير إلى أمور متعددة عابرة، والواحد إلى أمر منفرد. ولون الفأر وسرعته وحال الجو كلها تفاصيل صغيرة. ويظل الأمر ظنياً لا يُجزم به.
ومن الجانب النفسي، فإن الأحلام التي نمر فيها بأمر صغير عابر قد تعكس مرحلة من حياتنا فيها كثير من الأحداث الطارئة الصغيرة. وفي هذه الحال ينفع الإنسان أن يتعلم كيف يمرّ بالمنغصات دون أن يتوقف عندها كثيراً. فالطريق أطول من أن يُحبس عند كل حركة طارئة. وينفع كذلك أن يحتفظ بمرونة ذهنية تسمح له بتعديل خطته دون انزعاج.
ومن رأى هذا الحلم فليتذكر أن العابر عابر، وأن الطريق يبقى لمن يمضي فيه بثبات وهدوء. وليتجنب التوقف عند كل رمز، فالتفكير الزائد قد يعطل أكثر مما يعطل الفأر العابر في الحلم. وليُبقِ قلبه مطمئناً وخطواته ثابتة. ففي الاطمئنان خير كثير.
ويجدر بمن يرى هذا الحلم أن ينتبه إلى أنه قد يكون قد مرّ في يومه بمشهد قريب منه، كأن رأى حيواناً صغيراً يعبر طريقه فخزّنت الذاكرة الصورة وأعادتها في المنام. فكثير من الأحلام ليست إلا إعادة ترتيب لما مرّ بنا نهاراً، يُخلط فيها الحقيقي بالمتخيل. وإذا كان الأمر كذلك فلا حاجة للبحث عن رمز وراءه، لأن الحلم حينئذ مجرد بقايا يوم. وفي هذا الفهم راحة كبيرة للنفس، لأنه يخلصها من عناء التأويل المتكلف.
وللمسافر خاصة قد يتخذ الحلم شكلاً أوضح، فمن كان على أهبة سفر قد يرى الطريق والفأر معاً بسبب انشغاله بتفاصيل الرحلة الصغيرة من حقائب ومواعيد وتذاكر. وليس في ذلك دلالة على تعثر أو تأخير، وإنما هو أثر الانشغال والتحسب. ومن الخير أن يرتب المسافر أموره قبل وقت كاف، وأن يأخذ بأسباب الاحتياط المعتاد، ثم يتوكل ويمضي مطمئن النفس.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، قد يخطئ وقد يصيب، ولا ينبغي أن يكون أساساً لقرار حقيقي في المال أو العمل أو الزواج. وخير ما يُقابل به المرء ما رآه أن يدعو ربه بالخير وأن يحسن الظن به. فالغيب لا يعلمه البشر، ومرده إلى الله وحده، وعلى العبد أن يسعى ويمضي في طريقه بسكينة.
