رؤية فأر يدخل الفم من الرؤى المزعجة التي يستيقظ منها الإنسان وقد تقبّضت نفسه، ولذلك يسارع كثيرون إلى السؤال عن معناها. وهي في حقيقتها صورة نادرة نسبياً تجمع بين رمز الفأر ورمز الفم، فتحتاج إلى قراءة متأنية. والواجب أن نتذكر أن التفسير رمزي لا حرفي، وأن الرائي لم يرَ حادثة تقع في الواقع بل مشهداً ذهنياً. وما ينقله المفسرون هنا اجتهاد لا قطع فيه، ينبغي أخذه بهدوء.
الفأر عند أهل التعبير رمز لما صغر وأزعج: همّ يسير، أو خسارة قليلة، أو كلام صغير يؤذي دون أن يظهر صاحبه. وفيه معنى الاختباء والتسلل، فهو يدخل ما لا يُنتبه له ويخرج بسرعة. وفيه كذلك معنى الخوف الذي يضخّمه الإنسان أكثر من حجمه الحقيقي. وبذلك تكون الصورة عادة أقرب إلى المضايقة منها إلى الضرر الكبير.
أما الفم فهو في الرؤيا موضع الكلام والطعام والرزق، فهو ما يخرج من الإنسان من قول وما يدخل إليه من قوت. فدخول الفأر الفم قد يُفهم عند بعض المفسرين على أنه تنبيه إلى حال الكلام: قلق من زلّة لسان، أو خوف من كلمة قيلت وندم عليها، أو ضيق من كلام الناس. وقد يتصل بالرزق أيضاً، فيدلّ على همّ صغير في مصدر الكسب أو قلق من نقصٍ يسير. وليس شيء من هذا يقيناً، بل هي احتمالات يرجّح الرائي ما يناسب حاله.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الفأر قد يشير إلى من يضرّ الناس بضرر خفي صغير، وذهب بعض المفسرين إلى هذا. ويقول بعضهم في صورة الفم إن المراد قد يكون كلاماً مؤذياً يدور في المجالس. لكن العلماء اختلفوا كثيراً في هذا الباب، ومنهم من لا يحمل الصورة إلا على نفس صاحبها. ولا يجوز بحال أن يُتهم بسببها إنسان حقيقي، فالرؤيا صورة رمزية لا ميزان لمحاسبة الناس.
وتتفاوت الدلالة بحسب التفاصيل: فإن دخل الفأر الفم ثم خرج سريعاً فالأمر عابر، وهو أقرب إلى قلق لحظي من كلام أو موقف. وإن بقي داخل الفم أو لم يخرج فقد يُقرأ على أنه هاجس يلازم صاحبه ويحتاج إلى معالجة. وإن كان الفأر صغيراً فالهمّ خفيف، وإن كان كبيراً فالانشغال أثقل. وللون أثره عند بعضهم، فالأبيض أخفّ والرمادي متوسط والأسود دالّ على قلق مكتوم. ويُلتفت كذلك إلى شعور الرائي: أكان ينتفض مذعوراً أم يتقزز أم لا يشعر بشيء.
وللرجل قد يدلّ الحلم على حرصه على ألّا يخطئ في كلامه أمام الناس أو في عمله، أو على قلق من أمر يتصل بمصدر رزقه. وللمرأة المتزوجة قد يتصل بانشغالها بكلام جرى في الأسرة أو بتحفظها من مواجهة حديث ثقيل. وللحامل يميل إلى أن يكون من أثر الحساسية والتعب الجسدي، فلا ينبغي أن يُحمَّل أكثر من ذلك. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن خوفها من حكم الناس على أقوالها. وكل ذلك من باب الإيناس لا الجزم.
ومن دقائق النظر أن يسأل الرائي نفسه: هل كان في الأيام الماضية يهمّ بقول لا يريد قوله، أو يكتم كلاماً يثقل عليه؟ فإن كان ذلك فالحلم قد يكون صدى لتلك الحال. وهل كان يعاني من تعب في الفم أو الحلق أو من طعام ثقيل قبل النوم؟ فكثيراً ما يكون للجسد دور في مثل هذه الصور. وهل رأى معه صورة أخرى كطعام أو ماء؟ فهذه قد تضيف معنى. وهكذا يتبين أن للسياق حظاً أكبر من الصورة المنفردة.
أما من الجانب العملي فيفيد في مثل هذه الرؤى التأني في الكلام والتخفيف من الجدل ما أمكن، والإكثار من الذكر قبل النوم، وتجنّب الطعام الثقيل متأخراً. ومن شغله الخوف من أخطاء كلامية فليتذكر أن الناس أقل انتباهاً لزلّاتنا مما نظن. وليكتب ما يقلقه في ورقة ثم يضعها جانباً حتى لا يأخذ مجرى الليل. فالإنسان إذا ارتاحت نفسه خفّت عليه مثل هذه المشاهد.
وقد يحسن أن يتذكر الرائي أن الأحلام التي تدور حول الفم كثيراً ما ترتبط بحالة الجسد قبل النوم، كجفاف الحلق أو الامتلاء أو التنفس من الفم. فإذا كان شيء من ذلك حاضراً فالأقرب أن الصورة نسجها الذهن من تلك الإحساسات، ولا يلزم أن يكون لها معنى أبعد. وحتى لو أُخذت على الوجه الرمزي فهي لا تعدو تنبيهاً لطيفاً إلى العناية بالكلمة والرزق. ومن عالج أمره بالتأني والدعاء زال عنه أثرها سريعاً بإذن الله.
وربما رأى بعض الناس هذا الحلم في أيام يكثر فيها الجدل والخصومة أو تتراكم عليهم المسؤوليات، فتجتمع الهموم الصغيرة في صورة كائن يقتحم أضيق المداخل. وفي هذه الحال يكون الحلم مرآة لحال الرائي لا خبراً عن شيء قادم. ويكفي أن يعيد ترتيب أولوياته، ويتحدث إلى من يثق به، ويمنح نفسه فسحة من الراحة.
وفي الختام نقول إن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني لا يُعتمد عليه في قرار حقيقي، ولا يصحّ أن يُرتَّب عليه فعل أو امتناع. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الحلم إلا صورة قد تكون من حديث النفس. فمن رأى ما يكره فليلجأ إلى الله بالدعاء، وليحسن الظن بربّه، وليمضِ إلى يومه مطمئناً هادئاً.
