رؤية فأر يقرض الأثاث في المنام مشهد يتصل بالبيت وما فيه من متاع وراحة واستقرار، فالأثاث هو ما يجلس عليه الإنسان وينام ويستعمله يوميا. ولهذا قد تثير الرؤية قلقا على حال البيت وما فيه. والأحلام مع ذلك رموز لا تدل على إتلاف حقيقي، ولا ينبغي أن تُفهم على أنها نذير بشيء. وما نذكره هنا من آراء المفسرين إنما هو من باب الاحتمال والتأمل والاجتهاد.
يرى بعض المفسرين أن الأثاث في الرؤيا يرمز إلى الاستقرار المنزلي وأحوال الأسرة والمتاع الذي يستعين به الإنسان في حياته، وأن القرض إتلاف بطيء صغير، فيكون المعنى قريبا من هم يمس راحة البيت أو أمر صغير يحتاج إلى إصلاح. وقد يدل على تراكم أعطال بسيطة أو نفقات صيانة متفرقة. وقد يشير إلى قلق من تقادم ما في البيت وحاجته إلى التجديد. وهي كلها احتمالات لا يقين فيها.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن الفأر قد يُشار به إلى من يؤذي بصغائر الأمور في خفاء، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معنى قريب، وحمل بعضهم قرضه للأثاث على أمر صغير ينقص من راحة البيت ببطء. وهذا قول بعضهم لا إجماع عليه، وقد اختلفت العبارات في مثله. ولا يجوز أن نوجه المعنى إلى أحد من أهل البيت أو الزوار أو الجيران، فالحلم لا يقوم دليلا على أحد. والعبرة العامة هي العناية بالبيت وصيانته.
وتتغير الدلالة بحسب نوع الأثاث، فالسرير قد يتصل بالراحة والخصوصية، والكراسي بالضيافة، والخزانة بالمدخرات والأسرار الصغيرة، والمائدة بالرزق والاجتماع. وبحسب مقدار القرض، أثقب صغير أم تلف واسع. وبحسب قِدم الأثاث أو جِدته. وبحسب ما فعله الرائي حين رآه. ولكل منها دلالة تُضاف إلى الأخرى.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر المشهد عن اهتمامها بتجهيز مستقبلها وبيتها المنتظر، أو عن قلق على استقرار أسرتها. ويحسن أن تجعل الرؤيا دافعا إلى الأخذ بالأسباب لا إلى الخوف. وأن تدعو بالتيسير وحسن العاقبة. ولا تفسر الصورة على أنها تتعلق بشخص معين.
وللمرأة المتزوجة قد يرمز إلى تعب ترتيب البيت وصيانته، وإلى قلق على أثاثه ونظافته وأمن أسرتها. وللحامل قد يعكس انشغالها بتجهيز غرفة المولود وأثاثها وما يلزم لها من صيانة. والأفضل أن تتشاور وتخطط بهدوء وتتوكل على ربها. فالبيت المطمئن يبدأ من القلوب المطمئنة.
وللرجل والتاجر قد يتصل المنام بمصاريف الصيانة وتجهيزات البيت أو المحل، وقد يذكّر التاجر في الأثاث والمفروشات بحسن التخزين وحماية البضاعة. وهو ليس نذير كساد ولا خسارة، وإنما تنبيه إلى الصيانة المبكرة. ومن أصلح الصغير في وقته وفّر الكبير.
ومن دقائق التفسير النظر إلى مادة الأثاث، فالخشب غير القماش غير المعدن، فقد يتصل الأول بالأصالة والثبات والثاني بالراحة الظاهرة. وإلى هل الأثاث قديم عزيز أم جديد غالٍ. وإلى هل الرائي يعرف صاحبه. وإلى هل بقي الأثاث صالحا للاستعمال بعد القرض. وهذه الجزئيات تنير الطريق للتأمل دون يقين.
ومن الجانب النفسي فإن مشهد القرض البطيء قد يعبر عن إحساس بأن الاستقرار يتآكل شيئا فشيئا، وهو شعور يمر بكثير من الناس في فترات الضغط. ويعين على مواجهته أن يقوم الإنسان بإصلاحات صغيرة، ويحدد ميزانية للصيانة، ويشرك أهله في ترتيب البيت. والإحساس بالإنجاز يعيد الشعور بالأمان.
ومن الناحية العملية يُنصح بتفقد الأثاث بين حين وآخر وإبعاد الطعام عنه ومعالجة أي رطوبة أو شقوق في الأماكن المعروفة بالوسائل المعتادة. فهذا من الأخذ بالأسباب العادية. ولا ينبغي أن تُترك العناية لمجرد حلم. وفي حفظ البيت من الأدب مع النعمة.
ومما يُستحسن أن يتأمل فيه الإنسان أن أثاث البيت وإن كان نافعا فهو ليس غاية، وأن السكينة الحقيقية في ألفة الأهل لا في فخامة المتاع. ولذلك فإن من رأى في منامه تآكل بعض المتاع فليتذكر أن أثمن ما في البيت الطمأنينة والمودة، وأن عليه أن يصونهما بالكلمة الطيبة والتعاون.
ويحسن كذلك أن يتذكر أن كثيرا مما يُتلف من المتاع يمكن إصلاحه أو استبداله، لكن العلاقات إذا تضررت احتاجت إلى صبر وعناية أكبر. ومن فهم ذلك اشتغل بإصلاح النفوس قبل الأثاث. وهذا معنى تربوي يُستفاد دون ادعاء علم بالغيب.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني لا يُبنى عليه قرار في بيع أو شراء أو علاقة، ولا يحل به الحكم على أحد. فمن رأى ما أزعجه فليكثر من الدعاء ويحسن الظن بربه، وليمض في يومه بقلب هادئ. وعلم الغيب عند الله وحده. والله أعلم.
