رؤية فأر يقرض الجدران في المنام مشهد يمس معنى الحماية والحدود والأمان، فالجدار هو ما يحمي البيت ويحفظ الخصوصية ويفصل الداخل عن الخارج. ولهذا فإن الرؤية قد توحي لصاحبها بقلق على أمان بيته أو أسرته. غير أن الأحلام رموز لا تدل على أن جدرانا حقيقية ستتضرر، ولا تُحمل على ظاهرها. وما نذكره هنا من آراء المفسرين إنما هو من باب الاحتمال والتأمل.
يرى بعض المفسرين أن الجدار في المنام يرمز إلى الحماية والسند والحدود التي تحفظ الإنسان وأهله، وأن القرض إتلاف بطيء صغير، فيكون المعنى قريبا من هم يمس إحساس الأمان أو من أمر صغير يتسرب إلى الحدود الخاصة. وقد يدل على قلق من تدخل الناس في الخصوصية، أو على ضعف يسير في أمر كان يُظن راسخا. وقد يشير إلى حاجة إلى تقوية السند وإصلاح ما تصدع في العلاقات. وكل ذلك احتمالات لا يقين فيها.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن الفأر قد يُشار به إلى من يؤذي بصغائر الأمور في خفاء، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معنى قريب، وحمل بعضهم قرضه للجدران على أمر صغير ينال من الحماية ببطء. وهذا قول بعضهم لم يتفق عليه الجميع، وقد وُجدت عبارات أخرى مخالفة له. ولا يجوز أن نوجه المعنى إلى أحد من الجيران أو الأقارب أو الغرباء، فالحلم ليس دليلا على أحد. وإنما هو تنبيه عام إلى الحرص على سلامة البيت.
وتتغير الدلالة بحسب نوع الجدار، فجدار الغرفة الخاصة غير جدار الفناء أو السور، فالأول يتصل بالخصوصية والثاني بالحدود مع الخارج. وبحسب موضع القرض، أفي أسفل الجدار أم أعلاه. وبحسب مقداره، أثقب صغير أم فجوة. وبحسب ما إذا خرج الفأر منه أم دخل. وبحسب ما إذا استطاع الرائي سد الثقب. وكلها قرائن للتأمل.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر المشهد عن رغبة في حماية خصوصيتها وحدودها، أو عن قلق من نظرة الناس وتدخلهم. ويحسن أن تتعلم وضع حدود هادئة محترمة في علاقاتها وأن تحافظ على حشمتها وأذكارها. ولا تجعل الرؤية سببا لسوء الظن بأحد. والاعتماد على الله وعلى الأهل الصالحين مصدر أمان.
وللمرأة المتزوجة قد يرمز إلى حرصها على خصوصية أسرتها واستقرارها، وإلى قلق من كلام الناس أو تدخلهم. وللحامل قد يعبر عن شعور بالحاجة إلى مزيد من الحماية والاطمئنان في هذه المرحلة، وهو شعور طبيعي. وخير ما تفعله أن تتحدث إلى زوجها بما تشعر وأن تأخذ بالأسباب وتتوكل. فالسكينة المتبادلة تحفظ البيت.
وللرجل والتاجر قد يتصل المنام بصيانة المسكن أو المحل وأمنهما وقد يشير إلى أمور صغيرة تحتاج إلى إصلاح عاجل قبل أن تكبر. وللتاجر قد يذكّره بإحكام أمن محله ومخزنه. وهو ليس نذير اعتداء، وإنما دعوة إلى الحيطة المعتادة. ومن أحكم أسباب الحفظ ونام على التوكل استراح.
ومن دقائق التفسير النظر إلى لون الجدار وحالته، أهو متين أم متشقق، وإلى ما وراء الجدار، أهو داخل أم خارج. وإلى هل كان الفأر وحده أم مع غيره. وإلى الشعور الذي صحب المشهد، أهو خوف أم استغراب. وهذه جزئيات تضيء المعنى دون أن تحسمه.
ومن الجانب النفسي فإن مشهد القرض في الجدران كثيرا ما يعبر عن شعور بأن الحدود الشخصية تُخترق بشيء من اللطف، كأن يتدخل الآخرون في الوقت والخصوصية. ويعين على معالجته أن يتعلم الإنسان أن يقول لا بلطف، وأن يحفظ وقتا لنفسه وأسرته. وأن يتذكر أن الأمان الداخلي أقوى من الأسوار.
ومن الناحية العملية يُنصح بتفقد الجدران والأبواب والنوافذ ومداخل الأنابيب بين حين وآخر، وسد الشقوق بالطرق المعروفة، وحفظ البيت نظيفا. فهذا من الأخذ بالأسباب. ولا يصح أن تُترك الرؤيا بلا عمل. والجمع بين الحذر والتوكل هو الاتزان.
وقد يلتفت الرائي هنا إلى معنى جميل، وهو أن أقوى الجدران ما يُبنى بالمودة بين أهل البيت، فهي تحفظ أكثر مما تحفظ الحجارة. فإذا اهتم الإنسان بتقوية أواصر أسرته وتصفية خلافاتها الصغيرة فقد بنى سورا لا يقرضه قارض. وهذا مما يُستفاد من الرؤيا على سبيل العظة.
ومن ضبط لسانه وحفظ أسرار بيته وأحسن الظن بأهله فقد أحكم باب البيت من الداخل. وقليل من الصبر والتغافل عن الهفوات الصغيرة يحفظ المودة أكثر من كثير من الحذر. ولا يخفى أن هذه كلها معان أخلاقية عامة وليست خبرا عن وقوع شيء.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني لا يُبنى عليه قرار في أمن أو سكن ولا يحل به اتهام أحد. فمن رأى ما أزعجه فليدع ربه ويسأله الحفظ ويحسن الظن به. وعلم الغيب لله وحده. والله أعلم.
