رؤية فأر يختبئ في المنام مشهد يغلب عليه معنى الخفاء والاستتار، فالفأر يهرب إلى الزوايا والشقوق ويتوارى عن الأنظار. وحين يراه الإنسان يختبئ في منامه قد يخطر بباله سؤال عمّا هو مخفي في حياته. والأحلام رموز لا تدل على وجود شيء مستتر حقيقي، ولا يُجزم في تأويلها بشيء. وما نذكره هنا من اجتهاد المفسرين إنما هو على سبيل التأمل والاحتمال.
يرى بعض المفسرين أن الاختباء في الرؤيا يرمز إلى الأمور الخفية التي لم تظهر بعد، فيكون الفأر المختبئ رمزا لهم لم يُعلن أو قلق مكتوم يتوارى في داخل صاحبه. وقد يدل على أمر صغير مؤجل ينتظر الظهور، أو على خوف قديم يختبئ عند الحاجة. وقد يعبر عن حياء أو خجل أو رغبة في التواري عن الناس. وقد يُقرأ أحيانا على أنه هم بدأ يضعف ويتوارى. وهي احتمالات لا قطع فيها.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن الفأر قد يُشار به إلى من يؤذي بصغائر الأمور في خفاء، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معنى قريب، وحمل بعضهم اختباءه على أن الأمر مستور لم يتضح بعد. وهذه قراءة لبعضهم لم يتفق عليها الجميع، وقد وُجد من خالفها أو قيدها. ولا يجوز أن نربط ذلك بشخص حقيقي نظن أنه يخفي شيئا علينا، فالحلم لا يقوم دليلا على أحد. وإنما نأخذ العبرة العامة بأن الغيب لا يُعلم بالظن.
وتتغير الدلالة بحسب موضع الاختباء، فإن اختبأ تحت الأثاث فقد يتصل بأمر منزلي، وإن اختبأ في جدار فقد يتصل بالحدود والخصوصية، وإن اختبأ في كيس أو صندوق فقد يتصل بأمر مالي أو مخزون. وبحسب هل يطل برأسه أم يغيب تماما. وبحسب هل رآه الرائي يختبئ أم فقده فجأة. وبحسب ما إذا بحث عنه. وكلها قرائن للتأمل.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر المشهد عن أمر لا تحب البوح به، أو عن خجل أو قلق مكتوم. ويحسن أن تجد من تثق به من أهلها لتفضي إليه بما يشغلها. وليس في الرؤيا نذير. والدعاء بانشراح الصدر خير ما تلجأ إليه.
وللمرأة المتزوجة قد يرمز إلى هم تخفيه عن أهلها حفاظا على راحتهم، وقد يدعوها إلى مشاركة ما يثقلها مع زوجها أو من تثق. وللحامل قد يعكس مخاوف مكتومة تحتاج إلى مصارحة الطبيبة أو قريبة حكيمة. ومن الحكمة ألا تحمل ما يثقلها وحدها. فالكلام الهادئ يخفف الهم.
وللرجل والتاجر قد يتصل المنام بأمور لم تتضح في العمل أو المال، كحساب مؤجل أو تفصيلة غير ظاهرة. وقد ينبه التاجر إلى مراجعة ما لم يُراجع منذ مدة. وهو ليس نذيرا بكشف عيب، وإنما دعوة إلى الشفافية مع النفس. ومن راجع أموره في وقتها لم يفاجئه شيء.
ومن دقائق التفسير النظر إلى إحساس الرائي، أكان يبحث عن الفأر أم يتجاهله، فمن بحث عنه قد يدل على رغبته في معرفة ما يخفى. وإلى هل بقي الفأر مختبئا أم عاد إلى الظهور. وإلى حال الغرفة والضوء. وإلى ما إذا خرج الفأر بعد حين. وهذه تفاصيل تفتح باب التأمل دون يقين.
ومن الجانب النفسي فإن مشهد الاختباء قد يعبر عن مشاعر لم نواجهها بعد، فنخفيها حتى عن أنفسنا. ويعين على ذلك أن يكتب الإنسان ما يشعر به بصدق، وأن يتحدث إلى من يثق به، وأن يتذكر أن الاعتراف بالتعب ليس ضعفا. فالمكتوم يثقل والمعلن يخف.
ومن الناحية العملية يُنصح بترتيب الأماكن التي تتجمع فيها الأغراض وتفقدها وإخراج ما لا حاجة إليه، فكثرة الزوايا المهملة تجلب الفوضى. ويفيد كذلك مراجعة الأوراق والحسابات المؤجلة. ولا ينبغي أن تُبنى مخاوف على مجرد الرؤيا. والعمل بالأسباب مع التوكل يكفي.
وقد يلتفت الإنسان من هذه الرؤيا إلى أهمية أن يكون ظاهره وباطنه متقاربين، فيقل ما يخفيه عن الناس مما يستحق الخجل، ويستر ما يستحق الستر بحكمة. ومن اجتهد في صلاح باطنه لم يخف شيئا ولم يرهبه اختباء الصغائر. وهذا من المعاني الأخلاقية العامة التي تُستفاد دون ادعاء علم بالغيب.
ويحسن كذلك أن يتذكر أن الله مطلع على ما تخفيه القلوب، وأن من لجأ إليه بقلبه خف عنه ما يكتمه، فالدعاء في الخلوة يفتح الصدر. وهذه الثقة تخفف الخوف من المجهول. وتبقى الرؤيا صورة تحتمل التأمل ولا يترتب عليها حكم.
ومن الأمثلة اللطيفة على الاختباء في حياتنا اليومية أن يضع الإنسان في خزانته أو درجه ما لا يريد مواجهته، كفاتورة أو رسالة أو ورقة تحتاج إلى قرار، فتبقى مختبئة في ذهنه كما تختبئ في الدرج. وحين يأتي المنام بصورة فأر يتوارى فقد يكون ذلك صدى لهذا الأمر الصغير المؤجل. وإذا فتح الإنسان الدرج وواجه الورقة هدأ ذهنه وخفت الصورة.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني لا يُبنى عليه قرار حقيقي ولا يحل به اتهام أحد بإخفاء شيء. فمن رأى ما أقلقه فليدع ربه ويحسن الظن به ويمضي مطمئنا. وعلم الغيب عند الله وحده. والله أعلم.
