من الأحلام التي يتعجب منها بعض الناس أن يروا فأراً يسير في وضح النهار تحت الشمس، أمام الناس، دون أن يختبئ أو يهرب. وهو مشهد غير مألوف في الواقع، لأن الفئران تفضل الظلام والأماكن المستورة، فيستغرب النائم من رؤيتها بهذا الظهور. ومع ذلك فالأحلام لا تلتزم بقواعد الواقع، وهي رموز تُؤوَّل على سبيل الاحتمال ولا تُحمل على ظاهرها. وسنتناول هنا ما يمكن أن يقال في هذا الحلم بهدوء ودون جزم.
النهار في الرموز زمن الوضوح والظهور والعمل، فإذا ظهر الفأر فيه كان في ذلك مخالفة لعادته من الاختباء. ومن هنا ذهب بعض من يتأملون الرموز إلى أن ظهور الفأر نهاراً قد يشير إلى أن أمراً صغيراً مزعجاً بات ظاهراً لا يمكن تجاهله، أو أن منغصاً كان خفياً صار مكشوفاً أمام صاحبه. وقد يُقرأ كذلك على أنه شاغل يومي صغير يتكرر أمام العين فلا يغيب عنها. وهذه كلها قراءات بالمناسبة فحسب.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن الفأر قد يدل على من يؤذي بالقليل في خفاء، ويُحكى هذا على سبيل الاحتمال. وإذا أُخذ هذا القول بالاعتبار فقد يقال إن ظهور الفأر نهاراً يعني انكشاف الخفي، وهو استنتاج بالقياس لا نص فيه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الفأر قد يشير إلى منغصات صغيرة وكسب قليل. وقد اختلف المفسرون في هذه الدلالات، ولا يجوز تعميمها على أحد ولا إسقاطها على فرد أو فئة.
ويتفاوت المعنى بتفاوت ما يحيط بالمشهد. فإذا كان الفأر في الشارع بين الناس فقد يتعلق الأمر بأمر عام يراه الجميع، وإذا كان في البيت نهاراً فقد يرتبط بشؤون الأسرة وأعمال اليوم. وإذا كان يتحرك بثقة فقد يُقرأ على أن المنغص بات مألوفاً لا يخشى أحداً. وإذا هرب عند اقتراب الرائي فقد يُفهم منه سهولة التخلص من الأمر الصغير. أما شعور الرائي من دهشة أو انزعاج أو لا مبالاة فهو من أهم القرائن.
وللفتاة غير المتزوجة قد يدل الحلم على أمر صغير ظاهر يشغل بالها، كحديث يتردد أو موقف عابر يتكرر، وهو ما يحتاج منها إلى هدوء وحسن تصرف. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى مهام يومية صغيرة تظهر أمامها باستمرار وتطلب الاهتمام. وللحامل فإنه قد يعكس ترقباً ويقظة أكثر من المعتاد في أمور تراها أمام عينها كل يوم. وليس في شيء من ذلك ما يوجب القلق، فهو من قبيل الانتباه.
وللرجل قد يكون الفأر في وضح النهار صورة لأمر صغير في العمل ظاهر للجميع لكنه لا يُعالج، كإجراء مؤجل أو خلل بسيط في سير العمل. وللتاجر قد يشير إلى مصروف صغير ظاهر في حساباته يستدعي النظر. وهنا يكون الحلم تنبيهاً لطيفاً إلى أن الأمور التي نراها كل يوم قد نألفها فنهمل علاجها. وهذا فهم يعين على التأمل ولا يوجب خسارة ولا ربحاً.
ومن الدقائق: هل كان الفأر حياً نشيطاً أم هادئاً؟ وهل كان الرائي في مكان عام أم في بيته؟ وهل شاهده الناس معه أم كان وحده من رآه؟ فإذا رآه الجميع قد يشير ذلك إلى أمر عام، وإذا انفرد الرائي برؤيته قد يكون هماً شخصياً. كما أن حال الجو ولون الفأر وحجمه قد تضيف أبعاداً أخرى. لكن هذه الجزئيات لا تتجاوز حدود الاستئناس.
ومن الناحية النفسية، قد يرمز ظهور الفأر في وضح النهار إلى مواجهة مع شيء كان الرائي يتجنب النظر فيه، فجاء الحلم يضعه تحت الضوء. وهذا قد يكون دعوة لطيفة إلى مواجهة ما نؤجله، فإن مواجهته غالباً أيسر مما نظن. ومن النافع أن يخصص المرء وقتاً صغيراً لكل أمر عالق، وأن يتدرج دون استعجال. فالصغير الذي يُعالج في وقته لا يكبر، والذي يُهمل قد يتراكم.
ومما يطمئن أن الفأر في النهار لا يملك من القوة ما في الليل من رهبة، وأن الضوء يكشف الأمور على حقيقتها الصغيرة. فمن رأى هذا الحلم فليأخذه بنفس مرتاحة، وليتذكر أن المنام لا يحمل خبراً مؤكداً. وليتابع يومه بانتباه هادئ إلى ما حوله من تفاصيل. وهذا خير من الانشغال بتأويلات لا تثبت.
ويُلاحظ أن الحلم الذي يخالف المألوف من طباع الحيوان يلفت نظر صاحبه أكثر من غيره، ولذلك يعلق في الذاكرة ويدعو إلى السؤال. وقد يكون هذا اللفت هو الغاية النفسية منه، أي أن النفس تريد أن تنبه صاحبها إلى أمر ظاهر لم يعره اهتماماً كافياً. ومن الحكمة أن يسأل المرء نفسه بصدق عما في حياته من أمور صغيرة صار يراها كل يوم حتى اعتاد وجودها، ثم يقرر بهدوء ما يستحق التغيير منها وما يُترك. وهذا النظر العملي أنفع من الانشغال بتأويلات بعيدة، وأقرب إلى روح الاعتدال التي ينبغي أن تصحب كل من يتأمل رؤياه.
وقد يشعر بعضهم بالحرج لأن الفأر ظهر أمام الناس في الحلم، فيظن أن في ذلك فضيحة أو كشفاً لأمر خاص. والصواب أن يُعلم أن هذه مجرد صورة ذهنية، وأن لا أحد يطّلع على الأحلام ولا يحاسب عليها. فلا داعي لأن يضيف الرائي إلى حمله حملاً جديداً من الحرج أو الخجل، فالمنام شأن داخلي بحت. ومن أراد أن يخفف عن نفسه فليذكر الله وليهدأ، ثم ليواصل يومه كأن شيئاً لم يكن.
وختاماً، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يُبنى عليه قرار حقيقي في مال أو عمل أو زواج أو علاقة. وليتوجه من رأى ما استغربه إلى الدعاء وحسن الظن بالله، فهو الأقرب إلى الطمأنينة. فعلم الغيب وما تخبئه الأيام مرده إلى الله وحده، ولا يدّعيه إنسان.
