قد يرى المرء في منامه فأراً داخل مختبر علمي، في قفص زجاجي أو بين أنابيب وأجهزة، أو يرى نفسه يتعامل مع فئران التجارب. وهذا المشهد من المشاهد الحديثة التي تتأثر بما يراه الناس في الأفلام والمواد التعليمية والأخبار العلمية. ويجب القول بصراحة إن فأر المختبر صورة حديثة لا ذكر لها في كتب التعبير القديمة، وإن ما يُقال فيها إنما هو قراءة بالقياس على معاني الفأر العامة، لا نقل عن أحد من أئمة التعبير. والرؤى رموز تُؤوَّل اجتهاداً ولا تُحمل على ظاهرها. وسنعرض ما يمكن قوله بهدوء وتحفظ.
لما كان الفأر في الرموز يمثل الأمر الصغير المزعج، وكان المختبر يمثل مكان الفحص والتجربة والتحليل، فإن اجتماعهما قد يُقرأ على أنه حال تأمل في أمر صغير يُفحص من كل جانب. فكأن الرائي يضع شاغلاً صغيراً تحت المجهر، يحلله ويقلبه ويعيد النظر فيه حتى تضخم في ذهنه. وقد يُفهم منه كذلك الشعور بأن المرء نفسه موضع اختبار أو ملاحظة، كأنه الفأر في القفص الزجاجي. وهذا الفهم نفسي أكثر منه تأويلياً، وهو قائم على القياس وحده.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن الفأر قد يشير إلى من يؤذي بالقليل في خفاء، وهذا من باب الاحتمال التأويلي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الفأر قد يدل على منغصات يسيرة ورزق ضئيل. أما المختبر وفأر التجارب فهما من أمور العصر الحديث التي لم تعرفها كتب القدماء بهذه الصورة، فلا يوجد في المنقول عنهم تأويل مباشر لهما. وقد اختلف المفسرون المعاصرون في قراءة الصور الحديثة، ولا يصح إسقاط ذلك على شخص أو فئة. ويبقى الاجتهاد بالقياس ظنياً لا يُعتمد عليه.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل. فإذا كان الفأر في قفص مغلق فقد يُقرأ ذلك على الإحساس بالتقييد أو المراقبة، وإذا كان يتحرك بحرية فقد يُفهم منه رغبة في الانطلاق. وإذا كان الرائي هو العالم الذي يفحص فقد يدل على ميله إلى التحليل والدقة، وإذا كان هو الفأر فقد يدل على شعوره بأنه موضع نظر الآخرين. وإذا كان المكان نظيفاً منظماً فقد يوحي بالوضوح، وإذا كان فوضوياً فقد يشير إلى تشوش. وشعور الرائي هو أوضح القرائن.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير الحلم إلى أنها تحلل أمراً صغيراً أكثر مما يحتمل، كموقف أو كلمة قالها أحد، أو أنها تشعر بأن الناس يراقبونها. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى أنها تفحص تفاصيل صغيرة في حياتها الأسرية بدقة زائدة، وتحتاج إلى بعض التسامح مع النفس. وللحامل فإن المتابعات الطبية والفحوص قد تنعكس في الحلم، فيرى مختبراً وأدوات، وهذا من آثار الواقع لا أكثر. وهو في الغالب دلالة على الانشغال بالسلامة.
وللرجل قد يرتبط الحلم ببيئة العمل التي يشعر فيها بالتقييم المستمر، أو بالتحليل المفرط لأمر صغير في شؤونه. وللتاجر قد يرتبط بتحليل الأرقام والتجارب التجارية الصغيرة قبل التوسع، وفي ذلك دلالة على الدقة. ومن طلب العلم أو العمل في مجال علمي قد يرى هذا المشهد لأنه جزء من يومه، فلا يكون في الحلم معنى رمزي أصلاً. فمن كان المختبر مكان عمله فالحلم مجرد استمرار لانشغاله.
ومن الدقائق التي تثري القراءة: ما الذي يُجرى على الفأر؟ وهل شعر الرائي بالشفقة أم باللامبالاة؟ وهل كان الفأر هادئاً أم قلقاً؟ وهل خرج من القفص في النهاية؟ فمن شعر بالشفقة قد يكون رقيق القلب بحيث يتأثر بما يراه، ومن خرج الفأر في الحلم قد يحمل ذلك رمزاً لتحرر من تقييد ذهني. وهذه تفاصيل شخصية لا تُبنى عليها أحكام، وتبقى في إطار التأمل.
ومن الجانب النفسي، فإن هذا النوع من الأحلام يعكس في الغالب ما نراه من مشاهد علمية وأخبار صحية وتجارب، فتأخذ النفس منها صوراً تمزجها بهمومها. ومن النافع ألا يضخّم الإنسان ما يراه من أخبار علمية أو طبية، وأن يتعامل مع المعلومات بهدوء ومن مصادرها الموثوقة. وأن يعطي نفسه مساحة من الراحة بعيداً عن التحليل المفرط. فالحياة لا تُعاش كلها تحت المجهر.
ومما يطمئن أن الفأر في المختبر مخلوق صغير أُلف وجوده في خدمة العلم، وأن رؤيته في الحلم ليست نذيراً بتجارب أو اختبارات في حياتك. وقد يكون الحلم تعبيراً عن حس المسؤولية أو الفضول المعرفي. ومن أحب المعرفة فلا بأس أن يتأمل ويسأل، لكن دون أن يحمّل الحلم ثقلاً. والنفس إذا ارتاحت هدأت صور مناماتها.
وقد يستفيد الرائي من الحلم بأن يسأل نفسه: هل أنا أفرط في تحليل أمر بسيط؟ وهل أحتاج إلى أن أخرج من القفص الذهني الذي وضعت فيه نفسي؟ وإجابة هذه الأسئلة بصدق قد تجلب راحة أكبر من أي تفسير. فالصراحة مع النفس هي أول طريق التخفف. وبعدها تأتي الخطوات العملية البسيطة من حديث أو راحة أو تغيير روتين.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، وهذه الصور الحديثة بالذات لا تستند إلى نقل قديم، ولا يجوز أن تكون أساساً لقرار حقيقي في المال أو العمل أو العلم أو الزواج. وليتوجه من رأى ما استوقفه إلى الدعاء وحسن الظن بالله. فعلم ما يأتي به الغد محجوب عن البشر، ومرده إلى الله وحده.
