من الرؤى المألوفة أن يرى الإنسان فخاً للفئران في بيته أو عمله، فيضعه أو يمرّ به أو يتعثر فيه أو ينظر إليه. وهي رؤيا تختلف عن رؤية الفأر نفسه، لأن محور الصورة هنا الأداة لا الكائن، وللأدوات في الرؤيا دلالتها الخاصة. ومن اللازم أن نذكّر بأن التفسير رمزي لا حرفي، وأن ما يُقال فيه اجتهاد لا قطع فيه. فليقرأ القارئ ما يلي بروح التأمل لا الجزم.
الفأر عند المفسرين رمز لما صغر وأزعج، كهمّ يسير أو خسارة قليلة أو أذى خفيف يتسلل إلى حياة الإنسان. والفخ هو وسيلة الاحتراز التي يُعدّها الإنسان لدفع مثل هذا الأذى قبل وقوعه. فاجتماع الصورتين يرمز في الغالب إلى حرص الرائي على حماية بيته وماله من المضايقات الصغيرة. وهو معنى عملي هادئ، فيه حذر لا فزع.
فمن رأى أنه ينصب فخاً فقد يُفهم من ذلك أنه يستعد لأمر يتوقعه، أو أنه يحتاط من مضايقة محتملة أو من خسارة يسيرة في عمله. وقد يدلّ على حسن تدبيره وأخذه بالأسباب قبل أن تتفاقم المسألة. وقد يعبّر كذلك عن توجسه من شيء لم يتضح بعد وحرصه على ألّا يُؤخذ على غرّة. وكلها دلالات تميل إلى الحزم والتروّي أكثر من ميلها إلى الشر.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الفأر قد يشير إلى من يؤذي بأذى قليل خفي، وذهب بعض المفسرين إلى هذا، فجعلوا نصب الفخ إشارة إلى الحذر من مثل هذا الأذى. غير أن المفسرين اختلفوا في هذا الباب كثيراً، ومنهم من لا يحمله إلا على أحوال الرائي النفسية. ولا ينبغي أن يُستعمل هذا التأويل في ظنّ السوء بإنسان أو التربّص به، فالرؤيا رمزية لا دليل فيها على أحد.
وتتغير الدلالة بتغير الحال. فإن كان الفخ مرتباً ونظيفاً مُحكماً فهو علامة على حسن تدبير وتحضير. وإن كان قديماً صدئاً أو معطلاً فقد يشير إلى تقصير في الاحتياط أو إلى وسيلة لا تعود نافعة. وإن وقع الرائي نفسه أو شخص قريب في الفخ فقد يُقرأ ذلك تنبيهاً إلى الحذر من التسرع. وإن كان الفخ فارغاً فالأمر احتياط بلا حاجة، وإن كان فيه فأر فقد يدلّ على اكتمال حلّ مسألة. ولا ينسى الرائي شعوره بالارتياح أو الريبة.
وللرجل قد يتصل الحلم باحتياطه في مال أو عمل أو معاملة، ورغبته في ألّا يُغفَل عن التفاصيل. وللمرأة المتزوجة قد يدلّ على حرصها على بيتها وأسرتها وتنظيمها لشؤونها. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن حذرها في قراراتها واختياراتها. وللتاجر قد يتعلق بحرصه على ضبط الحسابات وتأمين البضاعة. وهو في ذلك كله ميل إلى الحيطة المحمودة ما لم يتحول إلى وسواس.
ومن الدقائق أن ينظر الرائي إلى موضع الفخ، فإن كان في المطبخ فالأمر يتصل بالرزق والبيت، وإن كان في الباب فبما يدخل ويخرج من حياته، وإن كان في الغرفة فبراحته الخاصة. وإن كان الفخ بسيطاً فالأمر بسيط، وإن كان معقداً فربما كان القلق متشعباً. وإن لم يُنصب بعدُ فالحذر ما زال في طور التفكير. وهذه كلها قرائن لا يجزم بها.
أما الناحية العملية والنفسية، فقد يعكس هذا الحلم رغبة في الأمان والتنظيم، وهو شعور طبيعي. ويفيد أن يسدّ الإنسان منافذ الفوضى في حياته، كتنظيم الحسابات الصغيرة وإحكام إغلاق البيت وترتيب الأوراق، من غير غلوّ. فالتدبير الهادئ خير من القلق المتواصل. وليتذكر أن الاحتياط حسن ما لم يتحول إلى توتر دائم يسلب صاحبه راحته.
وقد يرى الإنسان هذا الحلم بعد أن يسمع عن مضايقة حدثت لقريب أو جار، فيحتاط في ذهنه من مثلها. وفي هذه الحال هو صدى طبيعي لما سمع. فلا يزيد عليه، ويكفي أن يأخذ بالأسباب المعقولة ويتوكل على الله.
ويلاحظ أن الفخ في حدّ ذاته شيء مألوف عند أهل البيوت، فكثيراً ما تكون رؤيته في المنام امتداداً لانشغال حقيقي بنظافة البيت أو بما سمعه الرائي من حديث عن القوارض والآفات. فإذا وُجد مثل هذا السبب فلا حاجة إلى حمل الصورة على أكثر من ذلك. ويكفي أن يأخذ الإنسان بالتدابير اليسيرة كإغلاق الأكياس وحفظ الطعام والتهوية، فهي تريح الخاطر وتغني عن كثير من التأويل.
ومن لطائف هذه الرؤيا أنها تذكّر بأن الإنسان مأمور بالأخذ بالأسباب مع الاعتماد القلبي على الله، فلا يتهاون ولا يغالي. فالاحتياط المعتدل علامة عقل ورزانة، والمبالغة فيه علامة قلق مرهق. وليجعل الرائي من حلمه دعوة إلى التوازن بين هذين الطرفين، فيأخذ ما يلزم ثم يطمئن ويدع الباقي لله.
وربما رأى المرء الفخ في منامه في فترة يشعر فيها بأن أمراً يطارده أو يلاحقه، فيكون الفخ في الحلم تعبيراً عن حاجته إلى الشعور بالسيطرة والأمان. وهذا شعور بشري صحيح، وعلاجه في اليقظة بالحديث مع من يثق به، وبتنظيم الوقت، وبتخصيص لحظات للراحة والعبادة.
وفي الختام نكرر أن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، لا يجوز أن يُتخذ أساساً لقرار حقيقي أو ظنّ بأحد. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما نراه في المنام قد يكون من حديث النفس. فمن رأى ما أزعجه فليدعُ الله بالخير ويحسن الظن بربّه، وليمضِ إلى شأنه مطمئناً هادئاً.
