قد يرى المرء في منامه فأراً أبيض اللون ناصع البياض، هادئ الحركة، يختلف في هيئته عن الفئران المألوفة ذات اللون الرمادي أو البني. وهذا المشهد يلفت النظر لأن البياض في الأحلام يحمل معاني الصفاء والنقاء عند كثيرين، فيتساءل الرائي عن اجتماع صفاء اللون مع صغر الحيوان. والرؤى رموز تُؤوَّل اجتهاداً ولا تُحمل على ظاهرها، وليس في هذا الحلم أمر مؤكد عن الواقع. وسنعرض ما يُقال بهدوء ودون جزم.
اللون الأبيض في الرموز كثيراً ما يرتبط بالصفاء والخير والوضوح وقلة الشر، وإن اختلف المفسرون في تفاصيل ذلك. والفأر يمثل الأمر الصغير المزعج. فإذا اجتمع البياض مع الفأر فقد يُقرأ المشهد على أن المنغص صغير خفيف الأثر لا شر فيه، أو أنه أقرب إلى الأمر اللطيف منه إلى الضار. وقد يُفهم منه أن الهم الذي يعيشه الرائي ليس من النوع الثقيل، وأنه يحمل في طيّاته شيئاً من اليسر. وهذه قراءة بالمناسبة لا غير.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن الفأر قد يشير إلى من يؤذي بالقليل في خفاء، وهذا من باب الاحتمال التأويلي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الفأر قد يدل على منغصات يسيرة ورزق ضئيل. أما لون الفأر فلم أجد فيما يُنقل عن هؤلاء حكماً ثابتاً له، ولذلك يُقرأ اللون بالقياس على معنى الألوان عامة. وقد اختلف المفسرون في ذلك، ولا يصح إسقاطه على شخص بعينه. فهو استئناس لا أكثر.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل. فإذا كان الفأر الأبيض نظيفاً هادئاً فقد يدل على منغص خفيف ينتهي سريعاً، وإذا كان متسخاً فقد يُفهم منه أن الأمر ليس كما يبدو من ظاهره. وإذا كان عددهم قليلاً فالمنغص محدود، وإذا كان كثيراً فقد يدل على أمور صغيرة متعددة. وإذا كان في قفص فقد يُقرأ على أن الأمر تحت السيطرة، وإذا كان طليقاً فقد يشير إلى أمر عابر غير مقيد. وكيف شعر الرائي نحوه؟ إن شعر بالود فالمعنى ألطف، وإن شعر بالنفور فهو الأقرب إلى المعنى الأول.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير الفأر الأبيض إلى أمر صغير لطيف يشغلها، كإعجاب عابر أو فكرة بسيطة أو شيء لا يحمل ضرراً حقيقياً. وللمرأة المتزوجة قد يدل على مشاغل بيتية لطيفة، كاستقبال زائر أو ترتيب مناسبة صغيرة. وللحامل قد يعكس الحلم أجواء الترقب اللطيف وتجهيز الأشياء الصغيرة والرقيقة. وكلها قراءات متفائلة معتدلة غير مجزوم بها.
وللرجل قد يشير الفأر الأبيض إلى عارض صغير في عمله ليس فيه ضرر، كتأخير بسيط أو تعديل طفيف. وللتاجر قد يدل على أمور صغيرة تجري على نحو منتظم دون إزعاج كبير. ولا يصح أن يتخذ التاجر من البياض بشرى بربح، ولا من الفأر نذيراً بخسارة، فالتجارة تُبنى على الدراسة والتثبت. والحلم أقرب إلى أن يكون انعكاساً لحال نفسية هادئة.
ومن الدقائق التي تثري القراءة: هل كان الفأر الأبيض ذا عينين حمراوين؟ فبعضهم يربط ذلك بتفاصيل خاصة، لكنه ليس مما يُجزم به. وهل كان حيواناً أليفاً في بيت أم حراً؟ فالأليف قد يُقرأ على أنه أمر مألوف معتاد، والحر على أمر غير متوقع. وهل كان الرائي يلاعبه أم يتجنبه؟ وهل كان البياض لافتاً أم عادياً؟ وهذه جزئيات شخصية تعطي المعنى طابعاً خاصاً.
ومن الجانب النفسي، فإن الفأر الأبيض مرتبط في أذهان كثيرين بالحيوانات الأليفة وبالمختبرات والمشاهد المألوفة في الأفلام والصور، فقد يكون الحلم استدعاء لصورة رآها الرائي. وقد يعبّر عن جانب لطيف من الهم، كمشاعر قلق خفيفة تجاه أمر لطيف. ومن النافع ألا يضخّم المرء صور الحلم، وأن يحتفظ بابتسامة أمام ما يبدو غريباً. والحلم الغريب ليس عيباً في النائم.
ومما يطمئن أن الألوان في الأحلام كثيراً ما تتأثر بالضوء والذاكرة وحالة الرائي، فقد يرى الحلم بالأبيض لأنه يحتاج إلى صفاء. فمن كان يمر بفترة اضطراب فقد يرى في المنام ما يبعث على الهدوء. وهذا من أجمل ما تفعله النفس مع صاحبها. ولا ينبغي أن يُحمّل الأمر معنى أكثر من ذلك.
وللثقافة البصرية أثر في هذا النوع من الأحلام، فإن كثيراً من الصغار والكبار يألفون صورة الفأر الأبيض في الكتب المصورة وبرامج الأطفال ومتاجر الحيوانات الأليفة، فتأتي الصورة في الحلم بصبغة ودودة مقارنة بالفأر الرمادي. ولذلك فمن الحكمة أن يقدّر الرائي مدى ألفته بهذه الصور قبل أن يفتش عن معنى بعيد. وقد لا يكون وراء الحلم إلا ذكرى طفولة أو مشهد عابر مرّ في أيامه. ويكفي أن يبتسم لهذه الذكرى ثم يمضي في يومه بخفة، فالأحلام اللطيفة لا تحتاج إلى تحليل ثقيل.
ومن الجميل أن يتذكر الإنسان أن بعض الأحلام وُجدت لتخفف عنه لا لتثقل عليه، وأن النفس إذا اطمأنت وجدت في أحلامها صوراً لينة. فإن رأى فأراً أبيض صغيراً هادئاً فليأخذ ذلك على أنه من لطائف النوم. وليحمد الله على ما أنعم به عليه من سكينة وصحة، وليجعل ذلك دافعاً إلى مزيد من العناية بنفسه ومن حوله.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يكون أساساً لقرار حقيقي في المال أو العمل أو الزواج أو العلاقات. وليتوجه من رأى ما أعجبه أو أزعجه إلى الدعاء وحسن الظن بالله. فالغيب وما يأتي به المستقبل مرده إلى الله وحده.
