يسأل المريض أحياناً عن معنى رؤية فأر في منامه، وقد يقلق منها ويظنها إشارة إلى حاله أو إلى ما سيكون من أمر مرضه. ونريد أن نقول له أولاً بكل طمأنينة: هذه الرؤيا لا علاقة لها بمرضه ولا بشفائه، فهي كثيرة الحدوث عند الأصحاء والمرضى معاً. وتعبير الأحلام رمزي لا حرفي، والمشهد صورة ذهنية لا خبر عن واقعة. وما يُنقل هنا اجتهاد قد يصيب وقد يخطئ، فليقرأه بسكينة وهدوء.
الفأر في الرؤى رمز لما صغر وأزعج، كهمّ يسير أو شاغل خفيف يتسلل إلى حياة الإنسان من غير ضجة. وهو كائن سريع الحركة سريع الخوف، فيرمز إلى القلق الصغير المتكرر. والمريض بطبيعة حاله تكثر عنده الهواجس الصغيرة: مواعيد العلاج، والأدوية، وما يقوله الناس، وانتظار النتائج، وبطء الأيام. فمن الطبيعي أن تظهر هذه الهواجس في المنام في صورة كائن صغير يتحرك.
فمن رأى منهم فأراً فالأقرب أن الحلم تعبير عن تعب النفس وحساسيتها في فترة المرض، وعن رغبته في الراحة والهدوء والنظافة والأمان من حوله. وقد يعبّر عن خوفه من تفاصيل صغيرة لا يريد أن تزيد عليه عبئاً. وقد يكون أثراً للدواء أو للحمى أو لقلة النوم، فقد تسبب بعض الأدوية والحالات الصحية أحلاماً غريبة. وليس في ذلك دلالة على سوء، بل هو من طبيعة الجسد المتعب.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الفأر قد يدلّ على من يؤذي بأذى قليل خفي، وذهب بعض المفسرين إلى هذا المعنى. بيد أن أهل التعبير اختلفوا في هذا الباب اختلافاً واسعاً، ومنهم من اقتصر على أحوال الرائي النفسية. ولا يجوز أن يُوجَّه هذا التأويل إلى ممرض أو قريب أو طبيب أو أحد من الناس، ولا أن يُتخذ سبباً لسوء الظن، فالرؤيا صورة رمزية لا دليل فيها.
وتتغير الدلالة بتفاصيل المشهد. فإن كان الفأر صغيراً بعيداً فالأمر يسير، وإن كان قريباً فقد يكون القلق أوضح، وفي كل ذلك لا خطر. وإن رآه في غرفته فبمحيطه القريب، وإن رآه في مكان لا يعرفه فبقلق عام. وإن هرب أو اختفى فهو أدعى للاطمئنان. وللشعور اعتباره: خوف أو ضيق أو اشمئزاز، وكلها مشاعر طبيعية في المرض.
وينبغي التأكيد أنه لا يصحّ ربط هذه الرؤيا بتطور المرض ولا بنتائج التحاليل ولا بمدة الشفاء، وكل ما يُقال في ذلك لا أصل له. فالشفاء بيد الله وحده، وبالأخذ بأسباب العلاج على يد الأطباء المختصين. والحلم لا يزيد في المرض ولا ينقص منه. فليبعد عن ذهنه كل تفسير مخيف، وليثق بربّه الشافي.
ومن الدقائق أن يتذكر المريض أن الأدوية والحرارة وقلة الحركة وطول الاستلقاء كلها تؤثر في الأحلام، فتأتي غريبة كثيرة الصور. وهذا معروف عند الناس، ولا يستدعي تأويلاً. وإن تكرر الحلم وأزعجه فله أن يذكره لطبيبه، فقد يكون مرتبطاً بأثر دواء أو بقلة نوم.
وفي الجانب النفسي والعملي، يفيد أن يحيط نفسه بما يريحه من هدوء ونظافة وضوء لطيف، وأن يطلب من أهله مشاركته الحديث والجلوس معه، وأن يكثر من الذكر والدعاء بالعافية. ويفيد أن يتحرك قدر ما يسمح به طبيبه، وأن يتناول غذاءه ودواءه في مواعيدهما. وأن يحاول تقسيم يومه إلى لحظات صغيرة لطيفة يستمتع بها.
وللمريض في صبره وحسن ظنه بربّه سكينة يجدها في قلبه، فليحتسب ويحسن الظن بالله. فالفرج قريب، والله لطيف بعباده، ومن لجأ إليه كفاه. فلتكن هذه الرؤيا عنده مجرد صورة عابرة لا تعكّر عليه صفو أيامه.
وقد يكون الحلم أثراً لما يراه المريض أو يسمعه في المستشفى أو البيت، فلا حاجة إلى أن يحمّله معنى.
ومما يحسن ذكره أن من لوازم الرفق بالمريض أن يُبعد عنه ما يزيد قلقه، ومنه تفسيرات المنامات المخيفة، وأن يُشجَّع على حكاية ما يضايقه لمن يحبه وهو يسمعه بعطف. وكلما شعر المريض بأنه ليس وحده خفّ عنه الكثير مما يتراءى له في الليل. فعلى أهله أن يجلسوا معه، ويحدثوه بما يؤنسه، ويقرؤوا له ما يريحه من الذكر.
ومن الأمور النافعة للمريض الذي يرى أحلاماً مقلقة أن يحافظ على أوقات النوم قدر المستطاع، وأن يهيّئ حوله ما يبعث على الهدوء، وأن يتجنب الشاشات والأخبار المزعجة قبل النوم. وإن تكرر الأمر فليخبر طبيبه بلطف، فقد يعدّل الدواء أو يقدم نصيحة تعينه.
وليتذكر أن الأيام تتبدل، وأن الله يبدّل الحال إلى أحسن منه، وأن في الصبر مع الأخذ بالأسباب خيراً كثيراً. ونسأل الله له عافية تامة وراحة بال وصفاء نوم.
وفي الختام نقول إن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني لا يصحّ أن يُبنى عليه أي قرار يتعلق بالعلاج أو الصحة، والمرجع في ذلك الأطباء المختصون. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الحلم إلا صور قد يخالطها حديث النفس. فليدعُ الله بالشفاء والعافية، وليحسن الظن به، وليطمئنّ، شفاه الله وعافاه.
