من الأمور المألوفة أن يعقب مشاهدة فيلم مخيف حلم مزعج يستيقظ منه الإنسان قلقًا. والأصل أن الرؤيا رمزية، وأن الأحلام المزعجة شائعة جدًا وتعكس في الغالب ما رآه الإنسان في يومه لا واقعًا سيحدث. والحلم بعد الفيلم لا يُفهم خبرًا ولا توقعًا لشيء. وإنما هو في الغالب صدى طبيعي لمشاهد علقت في الذهن. وهذه القراءة تحاول فهم الظاهرة بهدوء ودون جزم أو تهويل.
يرى المهتمون بالنفس أن المشاهد المخيفة تترك أثرًا في الذاكرة القصيرة، وأن العقل أثناء النوم يعيد ترتيبها ويخلطها بتجارب الرائي ومخاوفه. وكلما كان الفيلم قريب العهد بالنوم كان أثره في الحلم أوضح. فالحلم هنا أقرب إلى إعادة تدوير للصور منه إلى معنى مستقل. وقد تظهر فيه وجوه مألوفة من الواقع مخلوطة بمشاهد الفيلم دون ترابط. وهذا ما يجعله غريبًا ومزعجًا من غير أن يكون له دلالة خاصة. ومعرفة ذلك تخفف من الحيرة وتعيد الأمر إلى حجمه الطبيعي.
نُسب إلى ابن سيرين أن كثيرًا من الرؤى تنشأ مما يشغل النفس في اليقظة، وأنها لا تُحمل كلها على معنى. ومن ثم فإن الحلم الذي يعقب مشهدًا مخيفًا يُعد عند بعض المعبرين من هذا الباب. وهذا النقل مما تتفاوت فيه الروايات ولا يُجزم بتفصيله. ولا يصح أن يتحول إلى توقع أمر في الواقع. وإنما يؤخذ على أنه تذكير بأن ما يراه الإنسان في يقظته يؤثر فيما يحلم به.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يراه المرء في منامه قد يكون من أثر ما تعلقت به نفسه وقت اليقظة. وخالفه آخرون فجعلوا بعض الأحلام ذات دلالات رمزية أوسع. وهذا الاختلاف يدل على سعة الاجتهاد في الباب. والأنسب أن يتعامل الرائي مع حلمه بعد الفيلم على أنه أثر مباشر في الغالب. فلا يحمّله أكثر من ذلك ولا يجعله سببًا للقلق، فالأثر العابر لا يستحق كل هذا الانشغال.
يتأثر الحلم بسياقه، فمن شاهد الفيلم متأخرًا في الليل ثم نام مباشرة يكون أثره أشد. ومن كان متعبًا أو متوترًا قبل المشاهدة يكون أكثر عرضة للأحلام المزعجة. وشعور الرائي بعد الاستيقاظ دليل مهم، فإن زال بسرعة بعد الإضاءة وشرب الماء فهو عابر. وإن استمر فربما يحتاج إلى فترة من الابتعاد عن هذه المشاهد. فالنظر في عادات المشاهدة هو أول ما يُراجع.
في حق الشاب أو الفتاة قد يكون الأثر أوضح لأن الخيال في هذا العمر نشط والحساسية للصور عالية. وكثيرًا ما يخلط الحلم بين ما شاهده الرائي وما يقلقه في دراسته أو علاقاته. وهذا لا يدل على ضعف بل على نشاط الذهن. ويفيد أن يختار الرائي ما يشاهده بعناية وبأوقات مناسبة. وأن يبتعد عن المشاهد المثيرة للفزع قبل النوم، فذلك أنفع من أي تأويل.
وفي حق الأب أو الأم أو العامل قد يتحول الفيلم المخيف إلى مصدر استنفار زائد للحذر في اليقظة وفي النوم. فمن كان مرهقًا يزداد تأثره بالمشاهد. ويحسن أن يستبدل بها ما يبعث الهدوء والسكينة قبل النوم. وهذا يحسن جودة النوم ويقلل الأحلام المزعجة. ويكفي في معظم الأحوال أن يتغير الروتين المسائي قليلًا.
لتفاصيل الحلم أثر في الفهم، فإذا ظهرت فيه مشاهد مطابقة للفيلم فهو صدى مباشر. وإذا اختلط بصور من بيت الرائي أو عمله فهو دمج للذاكرة. وإذا شعر بالخوف دون أحداث واضحة فقد يكون الأثر عاطفيًا لا بصريًا. وإذا انتهى المشهد بهدوء فهو يعكس ميل النفس إلى استعادة توازنها. ويحسن أن يتذكر الرائي أن المشاهد التمثيلية مصنوعة وليست من الواقع.
من الناحية العملية، الحلم ليس نصيحة نفسية ولا طبية، ولا يغني عن رأي المختصين. وإذا تكررت الأحلام المزعجة أو أثّرت في النوم، أو خطرت للرائي أفكار مؤذية للنفس أو للآخرين، فالأصل أن يتكلم فورًا مع مختص نفسي أو طبيب أو أحد الأهل أو جهة مختصة. ويفيد الامتناع عن المشاهد المخيفة قبل النوم بساعتين على الأقل. ويساعد النوم المنتظم وتقليل متابعة الأخبار والمشاهد المخيفة، واستبدالها بمشاهد هادئة أو قراءة خفيفة. وتنفع الإضاءة الخافتة وتهوية الغرفة.
وفي الختام، هذا اجتهاد بشري ظني لا يبلغ اليقين، وقد يختلف المفسرون في الرمز الواحد. وحسن الظن بالله أصل في الطمأنينة، فليدعُ الرائي ربه بالسكينة وراحة البال قبل نومه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الحلم خوف أو توقع. وأكثر هذه الأحلام أثر عابر لما شاهده الرائي يزول مع تغيير العادات المسائية.
