أن يبدو المشهد المزعج في الحلم بعيدًا كأنه يُرى من خلف زجاج أو من مسافة شاسعة إحساس غريب يترك أثره في النفس. وهذه رؤيا رمزية لا تدل على وقوع شيء في الواقع، والأحلام المزعجة شائعة وغالبًا تعكس التوتر لا الواقع. والبعد في المنام كثيرًا ما يرمز إلى المسافة النفسية التي يضعها الإنسان بينه وبين ما يزعجه، وكأن العقل يحمي صاحبه بهذه المسافة. ولذلك يحسن النظر في الحلم من جهة ما يشعر الرائي أنه بعيد عنه أو لا يستطيع الاقتراب منه.
من الناحية النفسية قد يشير هذا الحلم إلى انفصال شعوري مؤقت عن ضغط يمر به الرائي، وهو أسلوب يلجأ إليه العقل أحيانًا حين يزداد الحمل. وقد يعبر عن إرهاق يجعل المشاعر باهتة كأنها تخص شخصًا آخر. كما قد يرتبط بخوف من الأذى أو غضب مكبوت يُراقب من بعيد. وفي بعض القراءات يرمز المشهد إلى رغبة في إنهاء مرحلة أو عادة أو علاقة صار الرائي يشعر بالبعد عنها، دون جزم بذلك. والمسافة هنا قد تكون وسيلة حماية لا علامة على شيء سلبي.
نُسب إلى ابن سيرين أن البعد في الرؤى قد يدل على فراق أو على فتور في الصلة بين الإنسان وما يخصه، وقد يدل على سلامة من أمر يقترب منه غيره. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رؤية الأمور من بعيد تعبر عن معرفة بها دون مخالطة. وتختلف آراء المفسرين في هذه المعاني ولا يوجد قول يُجزم به. والأولى أخذها باستئناس مع تفضيل القراءة النفسية الهادئة، بلا توقع ولا تخويف.
يغير السياق دلالة الحلم، فإذا بدا المشهد صغيرًا وخافتًا كأنه على شاشة فقد يعبر عن أثر ما يشاهده الرائي من مواد مصورة. وإذا بدا كأنه في ضباب فقد يرمز إلى غموض الأفكار وقلة الوضوح. وإذا كان الرائي يمشي مبتعدًا عنه فقد يدل ذلك على رغبته في الخروج من ضغط ما. أما إذا شعر بأن المشهد يبتعد كلما اقترب فقد يعكس إحساسًا بصعوبة الوصول إلى أمر يريده.
يتنوع التأويل بحسب حال الرائي، فالطالب قد يعبر الحلم عنده عن شعور بالبعد عن أهدافه أو بالتشتت في دراسته. والموظف قد يعبر عن فتور في الحماس للعمل وإرهاق متراكم، والمتزوج عن مسافة نفسية مع مسؤوليات تثقله. وقد ترتبط عند المرأة بكثرة العطاء حتى تشعر بالانفصال عن مشاعرها. وعند كبير السن قد تعبر عن إحساس بالبعد عن الأحداث من حوله. وكلها رموز عامة لا يُجزم بها.
ومن التفاصيل التي يفيد تأملها هل كان البعد مريحًا للرائي أم مزعجًا، وهل شعر بأنه مراقب أم متفرغ للمتابعة. فإذا شعر بالراحة فقد يدل ذلك على شيء من التوازن النفسي. وإذا شعر بالانزعاج فقد يعبر عن حاجته إلى الاقتراب من الناس والأشياء. وإذا لازمه الإحساس بالبعد عن الواقع في يقظته أيضًا فهذا يستحق عرضه على مختص. وكلها احتمالات للتأمل فقط.
وقد يكون الحلم دعوة هادئة إلى الاقتراب من الحياة الواقعية بخطوات بسيطة، فالإنهاك الطويل يجعل المشاعر باهتة والأحلام بعيدة. ويفيد في ذلك التعرض للشمس والمشي وتناول الطعام الصحي والتواصل مع الأحبة. كما أن ممارسة هواية محببة ولو لمدة قصيرة تعيد للنفس حيويتها. ويحسن تخفيف الوقت الذي يقضيه الإنسان أمام الشاشات، فهي تزيد الإحساس بالبعد عن العالم الحقيقي. وبهذه الخطوات تعود الألفة إلى الحياة اليومية.
من الناحية العملية تفيد تهدئة التوتر بالمشي والتنفس العميق وتنظيم المهام وتخفيف الأعباء ما أمكن. ويستحسن تقليل متابعة الأخبار والمشاهد العنيفة أو المخيفة قبل النوم، ومنها المقاطع المصورة التي تُشاهد من بعيد على الشاشات. كما يساعد انتظام مواعيد النوم والراحة الكافية على نوم أهدأ. ومن المفيد الكلام مع شخص موثوق عن مشاعر الضيق، فمشاركة الهم تخففه.
والحلم ليس نصيحة نفسية أو طبية ولا يغني عنها. فإذا تكررت الأحلام المزعجة أو أثرت في النوم والحياة اليومية، أو ظهرت أفكار مؤذية للنفس أو للآخرين، فإن ذلك يستحق الكلام فورًا مع مختص نفسي أو طبيب أو أحد الأهل أو جهة مختصة. وطلب المساعدة المبكر دليل وعي لا ضعف. ويساعد كذلك النوم الكافي والراحة وتقليل متابعة الأخبار والمشاهد المخيفة قبل النوم.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يتفاوت فيه المفسرون، ولا يُعد خبرًا يقينيًا عن شيء. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يراه النائم يبقى في دائرة الرمز والاحتمال. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالطمأنينة وراحة البال، وأن يحسن الظن بربه، فهو سبحانه أرحم بعباده وأعلم بحالهم. والله أعلم.
