ظهور المشهد المزعج في الشارع داخل الحلم يضع الرائي في مكان عام مكشوف يمر به الجميع. وهذه رؤيا رمزية لا تدل على وقوع شيء في الواقع، والأحلام المزعجة شائعة وغالبًا تعكس التوتر لا الواقع. والشارع في المنام كثيرًا ما يرمز إلى الطريق الذي يسلكه الإنسان في حياته واحتكاكه بالناس ومواقفه أمام الآخرين. ولذلك يحسن النظر في الحلم من جهة ما يشعر به الرائي تجاه حياته العامة وعلاقاته.
من الناحية النفسية قد يشير هذا الحلم إلى القلق من نظرة الآخرين والخوف من الظهور في موقف محرج أو مكشوف. وقد يعبر عن ضغط الزحام والمشاوير اليومية وكثرة الالتزامات خارج البيت. كما قد يرتبط بغضب مكبوت أو خوف من الأذى لم يجد طريقًا للتعبير في اليقظة. وفي بعض القراءات يرمز المشهد إلى رغبة في إنهاء مرحلة أو عادة أو علاقة بصورة رمزية، دون جزم بذلك. ويبقى فهم الحلم متوقفًا على ما يشعر به الرائي في أيامه.
نُسب إلى ابن سيرين أن الطريق والسوق في الرؤى قد يدلان على معايش الناس وأحوال سعيهم وما يلقاه الإنسان بين أقرانه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأماكن العامة تدل على الأمور الظاهرة المتداولة بين الناس. وتختلف آراء المفسرين في هذه الرموز، ولا يوجد قول يُجزم به. والأولى أخذها باستئناس مع تفضيل القراءة النفسية الهادئة، بلا توقع ولا تخويف.
يغير السياق دلالة الحلم، فإذا كان الشارع مزدحمًا بالمارة فقد يرمز ذلك إلى كثرة الضغوط الاجتماعية وتزاحم الأفكار. وإذا كان خاليًا فقد يعبر عن إحساس بالوحدة أو بعد عن الناس. وإذا كان الشارع مألوفًا للرائي فقد يتصل القلق بمحيطه القريب، وإذا كان غريبًا فقد يتصل بمرحلة جديدة لم تتضح. أما الوقت من النهار وحال الطقس في الحلم فقد يلونان الحالة الشعورية العامة بين الهدوء والتوتر.
يتنوع التأويل بحسب حال الرائي، فالطالب الذي يتنقل إلى مدرسته أو جامعته قد يعبر الحلم عنده عن ضغط المنافسة والخوف من التأخر. والموظف قد يعبر عن إرهاق الطريق اليومي وتراكم المهام، والمتزوج عن هموم الرزق والتنقل بين البيت والعمل. وقد ترتبط عند المرأة بكثرة ما تحمله من مهام خارج البيت وداخله. وعند كبير السن قد تعبر عن خوف من الزحام والحركة السريعة. وكلها رموز عامة لا يُجزم بها.
من التفاصيل التي يفيد تأملها هل كان الرائي يسير أم يقف، وهل كان وحده أم بين الناس. فإذا واصل السير بعيدًا عن المشهد فقد يدل ذلك على ميل إلى المضي في الحياة وترك ما يثقله. وإذا توقف متجمدًا فقد يعكس إحساسًا بالعجز النفسي أمام ضغط ما. وإذا تبدل الشارع إلى مكان آخر فقد يكون ذلك خلطًا طبيعيًا بين صور النوم. وهي احتمالات للتأمل لا نتائج مؤكدة.
وقد يكون الحلم صدى لمشاهد رآها الرائي في الطريق أو في الأخبار أو في مقاطع مصورة، فالعقل يحتفظ بما يصادفه ثم يعرضه في المنام. وزحمة المدن وأصوات الشوارع ترفع مستوى التوتر الخفي عند كثيرين دون أن يشعروا. ويفيد في ذلك أخذ فترات هدوء خلال اليوم، والمشي في أماكن خضراء إن تيسر. كما يفيد تقليل التعرض للأخبار المقلقة أثناء الطريق. وهذه خطوات بسيطة تخفف الحمل الذهني المتراكم.
من الناحية العملية تفيد تهدئة التوتر بالمشي والتنفس العميق وتنظيم المهام وتخفيف الأعباء ما أمكن. ويستحسن تقليل متابعة الأخبار والمشاهد العنيفة أو المخيفة قبل النوم، ومنها المقاطع التي تُعرض صدفة في الهاتف. كما يساعد انتظام مواعيد النوم والراحة الكافية على نوم أهدأ. ومن المفيد الكلام مع شخص موثوق عن مشاعر الضيق، فمشاركة الهم تخففه.
والحلم ليس نصيحة نفسية أو طبية ولا يغني عنها. فإذا تكررت الأحلام المزعجة أو أثرت في النوم والحياة اليومية، أو ظهرت أفكار مؤذية للنفس أو للآخرين، فإن ذلك يستحق الكلام فورًا مع مختص نفسي أو طبيب أو أحد الأهل أو جهة مختصة. وطلب المساعدة المبكر دليل وعي لا ضعف. ويساعد كذلك النوم الكافي والراحة وتقليل متابعة الأخبار والمشاهد المخيفة قبل النوم.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يتفاوت فيه المفسرون، ولا يُعد خبرًا يقينيًا عن شيء. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يراه النائم يبقى في دائرة الرمز والاحتمال. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالسلامة في طريقه وحياته، وأن يحسن الظن بربه، فهو سبحانه أرحم بعباده وأعلم بحالهم. والله أعلم.
