قد يرى الإنسان في منامه مشهدًا مزعجًا يتحول فجأة إلى بحر هادئ ممتد، فيستيقظ وفي نفسه دهشة وارتياح. والأصل أن الرؤيا رمزية، وأن الأحلام المزعجة شائعة جدًا وتعكس في الغالب توترًا لا واقعًا سيحدث. والتحول إلى بحر هادئ في الحلم لا يُفهم خبرًا ولا توقعًا لشيء، وإنما هو صورة رمزية لسكينة النفس. ولا يُحمَّل الرائي به أي اتهام. وهذه القراءة تحاول فهم الرمز بهدوء ودون جزم أو تهويل.
البحر الهادئ في الأحلام يرمز إلى السعة والعمق والسكينة، وإلى القدرة على الاتساع للهموم دون اضطراب. وتحول المشهد المزعج إليه يعبر نفسيًا عن انتقال النفس من التوتر إلى الصفاء ومن الضيق إلى الاتساع. فالمشهد المزعج هنا مرحلة عابرة في طريق النفس إلى الهدوء، لا دليل على غير ذلك. وقد يظهر هذا التحول عند من يشتاق إلى الراحة أو إلى مكان مفتوح يتنفس فيه. ومعرفة ما يمنح الرائي السكينة في يقظته تفيد أكثر من تحليل الصور. وقد يكون ما يمنحه السكينة صوتًا هادئًا أو مكانًا مفتوحًا أو صحبة طيبة.
نُسب إلى ابن سيرين أن البحر في المنام يُحمل عند بعض المعبرين على السعة وعلى أحوال صاحبه بحسب هدوئه واضطرابه. وبحسب هذا الاتجاه فإن البحر الساكن في الرؤيا قد يدل على راحة وسعة في الحال. وهذا النقل مما تتفاوت فيه الروايات ولا يُجزم بتفصيله. ولا يصح أن يتحول إلى وعد بنتيجة أو تنبؤ بحدث. وإنما يؤخذ على سبيل الاستئناس والتأمل.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن صفاء الماء وهدوءه في الرؤيا يرتبطان بصفاء حال الرائي وما يطمئن إليه. وخالفه آخرون فجعلوا هذه الرؤى تعبيرًا عن حاجة النفس إلى الهدوء أكثر من دلالتها على وقوعه. وهذا الاختلاف بين المعبرين يدل على أن الأمر اجتهاد مفتوح. والأنسب أن يقرأ الرائي هذه الأقوال على أنها أفكار تبعث الأمل. وألا يعدها وعدًا ولا تحذيرًا.
يتغير فهم الحلم بتغير السياق، فمن كان يعيش في زحام وضجيج قد يظهر الحلم صدى لشوقه إلى مساحة واسعة هادئة. ومن زار شاطئًا أو شاهد مناظر بحرية مؤخرًا قد يستعيد الذهن صورتها. وشعور الرائي عند الاستيقاظ دليل مهم، فإن أحس بصفاء فهو ميل نفسي إلى التعافي. وإن أحس بشوق فهو حنين إلى الهدوء. وفي الحالتين يكفي أن يخصص وقتًا للمشي في مكان مفتوح أو الجلوس قرب الماء إن تيسر.
في حق الطفل والمراهق قد يعكس الحلم الميل إلى الانطلاق والراحة بعد يوم مليء بالمهام. وهو علامة نفسية طبيعية. ويفيد أن يتيح له الأهل وقتًا للعب في الهواء الطلق. وأن يقللوا من الشاشات قبل النوم. فالحركة والهواء النقي يحسنان النوم والمزاج. ومن اعتاد ذلك صار نومه أهدأ.
وفي حق الشاب أو الراشد قد يتصل الحلم بالحاجة إلى استراحة من الضغوط واتساع الصدر. فالنفس تتخيل مساحة لا يحدها شيء تهدأ فيها الأمواج. وهذا لا يدل على أن شيئًا سيقع بل على رغبة في التوازن. ويحسن أن يمنح الرائي نفسه فترات هدوء منتظمة وأن يخفف الالتزامات غير الضرورية. فالنفس التي تتسع للراحة تتسع للمسؤوليات أيضًا. ومن ثم فالراحة جزء من حسن العطاء.
لتفاصيل الحلم أثر في الفهم، فإذا كان الماء صافيًا فهو يرتبط بصفاء الذهن. وإذا كان ساكنًا فهو رمز نفسي للسكينة. وإذا ظهرت سماء صافية فوقه فهي علامة على الانفراج. وإذا شعر الرائي بالطفو أو الراحة فهو يعكس استرخاء حقيقيًا. ويحسن أن يدون الرائي ألوان البحر وأصواته ليستحضرها قبل النوم. فالتخيل الهادئ يهيئ النفس للنوم الهانئ.
من الناحية العملية، الحلم ليس نصيحة نفسية ولا طبية، ولا يغني عن رأي المختصين. وإذا تكررت الأحلام المزعجة أو أثّرت في النوم، أو خطرت للرائي أفكار مؤذية للنفس أو للآخرين، فالأصل أن يتكلم فورًا مع مختص نفسي أو طبيب أو أحد الأهل أو جهة مختصة. ويفيد الاستماع إلى أصوات هادئة قبل النوم وتخيل مشهد البحر الساكن ضمن تمارين الاسترخاء. ويساعد النوم المنتظم وتقليل متابعة الأخبار والمشاهد المخيفة قبل النوم. وتنفع تمارين التنفس البطيء مع إيقاع الأمواج المتخيلة.
وفي الختام، هذا اجتهاد بشري ظني لا يبلغ اليقين، وقد يختلف المفسرون في الرمز الواحد. وحسن الظن بالله أصل في الطمأنينة، فليدعُ الرائي ربه بالسكينة وسعة الصدر وراحة البال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الحلم خوف أو توقع. وأكثر هذه الأحلام تعبير عن حاجة إلى السكينة تتحقق بالراحة والعادات الهادئة.
