قد يرى الإنسان في منامه مشهدًا مزعجًا يتحول فجأة إلى ضوء هادئ يملأ المكان، فيستيقظ وفي نفسه دهشة وارتياح. والأصل أن الرؤيا رمزية، وأن الأحلام المزعجة شائعة جدًا وتعكس في الغالب توترًا لا واقعًا سيحدث. والتحول إلى ضوء في الحلم لا يُفهم خبرًا ولا توقعًا لشيء، وإنما هو صورة رمزية للأمل والانفراج. ولا يُحمَّل الرائي به أي اتهام. وهذه القراءة تحاول فهم الرمز بهدوء ودون جزم أو تهويل.
الضوء في الأحلام يرمز إلى الوضوح والأمل والطمأنينة، وهو من أكثر الصور ارتباطًا بالراحة النفسية. وتحول المشهد المزعج إليه يعبر نفسيًا عن انفتاح النفس على الأمل بعد قلق، وعن رغبتها في رؤية الأمور بوضوح. فالمشهد المزعج هنا مرحلة عابرة في طريق النفس إلى الصفاء، لا دليل على غير ذلك. وقد يظهر هذا التحول عند من بدأ يفهم مصدر قلقه أو وجد له مخرجًا. ومعرفة ما يمنح الرائي الوضوح في يقظته تفيد أكثر من تحليل الصور. وقد يكون ما يمنحه الوضوح حوارًا صريحًا أو ورقة يكتب فيها أفكاره.
نُسب إلى ابن سيرين أن النور في المنام يُحمل عند بعض المعبرين على الهداية والانفراج وصفاء الحال. وبحسب هذا الاتجاه فإن الانتقال من ظلمة قلقة إلى نور في الرؤيا قد يدل على راحة بعد ضيق. وهذا النقل مما تتفاوت فيه الروايات ولا يُجزم بتفصيله. ولا يصح أن يتحول إلى وعد بنتيجة أو تنبؤ بحدث. وإنما يؤخذ على سبيل الاستئناس والتأمل.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الضياء في الرؤيا يرتبط بما يشرح صدر الرائي من أحوال. وخالفه آخرون فجعلوا هذه الرؤى تعبيرًا عن حاجة النفس إلى الأمل أكثر من دلالتها على وقوعه. وهذا الاختلاف بين المعبرين يدل على أن الأمر اجتهاد مفتوح. والأنسب أن يقرأ الرائي هذه الأقوال على أنها أفكار تبعث الأمل. وألا يعدها وعدًا ولا تحذيرًا.
يتغير فهم الحلم بتغير السياق، فمن كان قد فهم أخيرًا جانبًا غامضًا في حياته قد يظهر الحلم صدى لذلك. ومن كان يمر بفترة انتظار وترقب قد يرى الضوء رمزًا لتطلعه. وشعور الرائي عند الاستيقاظ دليل مهم، فإن أحس بخفة فهو ميل نفسي إلى التفاؤل. وإن أحس بدهشة فهو أثر طبيعي لتغير المشهد المفاجئ. وفي الحالتين يكفي أن يتذكر أن الأمل يتقوى بالخطوات الصغيرة الواقعية. فالخطوة الصغيرة المنتظمة تفتح أبوابًا واسعة مع الوقت.
في حق الطفل والمراهق قد يعكس الحلم الشعور بالطمأنينة بعد الخوف، وكأن النفس تبحث عن مصدر أمان. وهو علامة نفسية طبيعية. ويفيد أن يترك الأهل ضوءًا خافتًا في غرفته إن أحب ذلك. وأن يطمئنوه بكلام لطيف قبل النوم. فالأمان العاطفي أساس لنوم هانئ. وكلما اطمأن الصغير قلّت أحلامه المزعجة.
وفي حق الشاب أو الراشد قد يتصل الحلم بمرحلة وضوح بعد حيرة، أو بتجدد الأمل بعد فترة إرهاق. فالنفس تعبر عن ذلك في الأحلام بصور مضيئة. وهذا لا يدل على أن شيئًا سيقع بل على تحسن داخلي. ويحسن أن يدعم الرائي هذا الأمل بخطوات عملية منتظمة. فالأمل الذي يصحبه عمل أثبت من الأمل المجرد. ومن جمع بينهما وجد في نفسه ثباتًا.
لتفاصيل الحلم أثر في الفهم، فإذا كان الضوء دافئًا هادئًا فهو يرتبط بالطمأنينة. وإذا كان ساطعًا فقد يرمز إلى وضوح مفاجئ في فكرة. وإذا ظهر من نافذة أو باب فهو رمز نفسي للمخرج والانفتاح. وإذا ملأ المكان كله فهو علامة على سعة الصدر. ويحسن أن يدون الرائي لون الضوء ومصدره ليستحضره قبل النوم. فالتخيل الهادئ يهيئ النفس للنوم الهانئ.
من الناحية العملية، الحلم ليس نصيحة نفسية ولا طبية، ولا يغني عن رأي المختصين. وإذا تكررت الأحلام المزعجة أو أثّرت في النوم، أو خطرت للرائي أفكار مؤذية للنفس أو للآخرين، فالأصل أن يتكلم فورًا مع مختص نفسي أو طبيب أو أحد الأهل أو جهة مختصة. ويفيد التعرض لضوء النهار في الصباح والمشي في الشمس لتحسين المزاج والنوم. ويساعد النوم المنتظم وتقليل متابعة الأخبار والمشاهد المخيفة قبل النوم. وتنفع الإضاءة الخافتة في المساء وتمارين التنفس.
وفي الختام، هذا اجتهاد بشري ظني لا يبلغ اليقين، وقد يختلف المفسرون في الرمز الواحد. وحسن الظن بالله أصل في الطمأنينة، فليدعُ الرائي ربه بالنور في القلب والسكينة وراحة البال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الحلم خوف أو توقع. وأكثر هذه الأحلام تعبير عن أمل داخلي ينمو مع الراحة والخطوات الواقعية.
