الخوف الشديد المصاحب للحلم المزعج هو أكثر ما يبقى في نفس الرائي بعد الاستيقاظ، وقد يستمر أثره لساعات. وهذه رؤيا رمزية لا تدل على وقوع شيء في الواقع، والأحلام المزعجة شائعة وغالبًا تعكس التوتر لا الواقع. والخوف في المنام كثيرًا ما يكون هو جوهر الحلم، فالصورة وسيلة والشعور هو المعنى الحقيقي التي يحملها العقل. ولذلك يحسن النظر في الحلم من جهة ما يخيف الرائي في حياته لا من جهة ما ظهر فيه من مشاهد.
من الناحية النفسية قد يشير الخوف في هذا الحلم إلى قلق عام متراكم أو إلى مخاوف من المستقبل والفقد وغياب الأمان. وقد يعبر عن ضغط صحي أو أسري أو مالي يثقل صاحبه ولم يجد وقتًا للتفريغ. كما قد يرتبط بغضب مكبوت أو شعور بالضعف أمام أمر خارج عن الإرادة. وفي بعض القراءات يرمز المشهد إلى رغبة في إنهاء مرحلة أو عادة أو علاقة تثير الخوف، دون جزم بذلك. وكثيرًا ما يهدأ الخوف حين يُسمى ويُفهم مصدره.
نُسب إلى ابن سيرين أن الخوف في الرؤى قد يدل على الأمان بعد قلق عند بعض المفسرين، وأن الاضطراب الذي يعقبه سكون قد يعبر عن انفراج. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الفزع في المنام يرتبط بما يشغل صاحبه من هموم وشواغل. وتختلف آراء المفسرين في ذلك ولا يوجد قول واحد يُجزم به. والأولى أخذها باستئناس مع تفضيل القراءة النفسية الهادئة، بلا توقع ولا تخويف.
يغير السياق دلالة الحلم، فإذا كان الخوف شديدًا مع استيقاظ سريع فقد يرتبط بتوتر جسدي أثناء النوم وبإيقاع تنفس متسارع. وإذا كان الخوف خفيفًا ويصاحبه فضول فقد يعبر عن رغبة في فهم ما يقلق الرائي. وإذا كان الخوف على شخص قريب فقد يدل ذلك على حب وحرص شديدين لا على أمر سيقع. أما إذا لم يتذكر الرائي سوى الشعور فهذا يؤكد أن الحلم عن الحالة النفسية لا عن واقعة.
يتنوع التأويل بحسب حال الرائي، فالطفل قد يعبر الحلم عنده عن تأثره بما رآه أو سمعه وعن حاجته إلى الطمأنينة والقرب من أهله. والشاب قد يعبر عن خوف من الفشل والمستقبل، والمتزوج عن مخاوف المسؤولية عن الأسرة. وقد ترتبط عند الأم بحرصها الشديد على الأبناء وقلقها عليهم. وعند كبير السن قد تعبر عن خوف من الوحدة ومرور الأيام. وكلها رموز عامة لا يُجزم بها.
ومن التفاصيل التي يفيد تأملها هل كان الخوف مصحوبًا بخفقان وضيق تنفس عند الاستيقاظ، وكم استغرق زواله. فإذا زال سريعًا بعد شرب الماء والجلوس فهو غالبًا أثر عابر لحلم مزعج. وإذا استمر طويلًا أو تكرر أو صاحبه خوف دائم في النهار فهو يستحق استشارة مختص. كما أن التفريق بين الحلم والواقع بالنظر إلى المكان والوقت يعيد الطمأنينة. وكلها احتمالات للتأمل ووسائل للتهدئة لا أكثر.
ويفيد عند الاستيقاظ مرتاعًا أن يتنفس الرائي ببطء، فيستنشق من الأنف أربع عدات ثم يخرج النفس في ست عدات، ويكرر ذلك عدة مرات حتى يهدأ قلبه. ثم يشعل ضوءًا خافتًا ويشرب الماء ويذكّر نفسه بأن ما رآه صورة انتهت وأنه في مكان آمن. ولا بأس بالجلوس قليلًا أو المشي في الغرفة قبل العودة إلى النوم. كما أن ذكر الله والدعاء يمنحان القلب سكينة. وهذه الخطوات تعيد الجسم إلى هدوئه تدريجيًا.
من الناحية العملية تفيد تهدئة التوتر بالمشي والتنفس العميق وتنظيم المهام وتخفيف الأعباء ما أمكن. ويستحسن تقليل متابعة الأخبار والمشاهد العنيفة أو المخيفة قبل النوم، فالخوف يتغذى على ما يراه الإنسان. كما يساعد انتظام مواعيد النوم والراحة الكافية على نوم أهدأ. ومن المفيد الكلام مع شخص موثوق عن مشاعر الخوف والضيق، فمشاركة الهم تخففه.
والحلم ليس نصيحة نفسية أو طبية ولا يغني عنها. فإذا تكررت الأحلام المزعجة أو أثرت في النوم والحياة اليومية، أو ظهرت أفكار مؤذية للنفس أو للآخرين، فإن ذلك يستحق الكلام فورًا مع مختص نفسي أو طبيب أو أحد الأهل أو جهة مختصة. وطلب المساعدة المبكر دليل وعي لا ضعف. ويساعد كذلك النوم الكافي والراحة وتقليل متابعة الأخبار والمشاهد المخيفة قبل النوم.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يتفاوت فيه المفسرون، ولا يُعد خبرًا يقينيًا عن شيء. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يراه النائم يبقى في دائرة الرمز والاحتمال. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالأمان والسكينة وراحة البال، وأن يحسن الظن بربه، فهو سبحانه أرحم بعباده وأعلم بحالهم. والله أعلم.
