ظهور الأصوات العالية والصراخ في الحلم المزعج يجعل المشهد أشد وقعًا، وقد يستيقظ الرائي وقلبه يخفق بسرعة. وهذه رؤيا رمزية لا تدل على وقوع شيء في الواقع، والأحلام المزعجة شائعة وغالبًا تعكس التوتر لا الواقع. والصوت العالي في المنام كثيرًا ما يرمز إلى الحاجة الملحة إلى التعبير والتنفيس عن ضغط يشعر به الإنسان. ولذلك يحسن النظر في الحلم من جهة ما يريد الرائي قوله ولم يقله في يقظته.
من الناحية النفسية قد يشير الصراخ في هذا الحلم إلى توتر داخلي بلغ ذروته وبحث عن مخرج، أو إلى رغبة في أن يسمعه الآخرون. وقد يعبر عن غضب مكبوت أو خوف من الأذى أو إحساس بالاضطراب لم يجد من يحتويه. كما قد يرتبط بالإرهاق وقلة النوم التي تجعل الانفعال أشد حدة. وفي بعض القراءات يرمز المشهد إلى رغبة في إنهاء مرحلة أو عادة أو علاقة تثقل صاحبها، دون جزم بذلك. وقد يكون الصوت العالي جزءًا من استجابة الجسم للتوتر أثناء النوم.
نُسب إلى ابن سيرين أن الصياح والصوت العالي في الرؤى قد يدل على أمر يشيع بين الناس أو على ظهور شأن كان مكتومًا. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رفع الصوت في المنام قد يعبر عن الحاجة إلى العون أو عن الضيق. وتختلف آراء المفسرين اختلافًا واسعًا في هذه الرموز ولا يوجد قول يُجزم به. والأولى أخذها باستئناس مع تفضيل القراءة النفسية الهادئة، بلا توقع ولا تخويف.
يغير السياق دلالة الحلم، فإذا كان الصوت صادرًا من الرائي نفسه فقد يرتبط بتفريغ داخلي لتوتر لم يُعبر عنه. وإذا كان صادرًا من آخرين في المشهد فقد يعبر عن أجواء صاخبة ومتوترة في محيطه. وإذا كان الصوت بعيدًا ومبهمًا فقد يدل على ضجيج أفكار لم تتضح. أما إذا انتهى الحلم باستيقاظ فجائي مع صوت عال فقد يعني أن الجسم كان متوترًا في تلك الساعة من النوم.
يتنوع التأويل بحسب حال الرائي، فالطالب قد يعبر الحلم عنده عن ضغط الامتحانات وصخب الأفكار وقلق الأداء. والموظف قد يعبر عن ضجيج المسؤوليات وكثرة المطالب، والمتزوج عن ضغوط البيت والمعيشة المتزاحمة. وقد ترتبط عند المرأة بكثرة الأصوات والأعمال المتزامنة في يومها. وعند كبير السن قد تعبر عن حاجة إلى من يسمعه. وكلها رموز عامة لا يُجزم بها.
ومن التفاصيل التي يفيد تأملها هل كان الصوت مسموعًا أم صامتًا في الحقيقة، وهل لاحقه ارتياح أم ازداد توترًا. فبعض الناس يتكلمون أو يتحركون أثناء النوم عند اشتداد الحلم المزعج، وهذا أمر معروف عند اضطراب النوم. وإذا تكرر ذلك كثيرًا فالأفضل عرض الأمر على طبيب مختص بالنوم. وإذا انتهى الحلم بهدوء فقد يكون ذلك دليلًا على تفريغ طبيعي للضغط. وهذه كلها احتمالات للتأمل لا نتائج مؤكدة.
وقد يكون الحلم دعوة هادئة لإيجاد متنفس صحي للانفعال في النهار، كالرياضة الخفيفة والمشي والكتابة أو الكلام مع صديق موثوق. فالانفعال الذي لا يجد مخرجًا يظهر في الليل بصورة أعلى صوتًا وأشد أثرًا. ويفيد كذلك تعلم التنفس البطيء وإرخاء العضلات قبل النوم. كما أن إبعاد الضوضاء عن غرفة النوم والشاشات يساعد على سكون النفس. وبهذه الوسائل يخف الصخب الداخلي تدريجيًا.
من الناحية العملية تفيد تهدئة التوتر بالمشي والتنفس العميق وتنظيم المهام وتخفيف الأعباء ما أمكن. ويستحسن تقليل متابعة الأخبار والمشاهد العنيفة أو المخيفة قبل النوم، ومنها المقاطع الصاخبة. كما يساعد انتظام مواعيد النوم والراحة الكافية على نوم أهدأ. ومن المفيد الكلام مع شخص موثوق عن مشاعر الضيق، فمشاركة الهم تخففه.
والحلم ليس نصيحة نفسية أو طبية ولا يغني عنها. فإذا تكررت الأحلام المزعجة أو أثرت في النوم والحياة اليومية، أو ظهرت أفكار مؤذية للنفس أو للآخرين، فإن ذلك يستحق الكلام فورًا مع مختص نفسي أو طبيب أو أحد الأهل أو جهة مختصة. وطلب المساعدة المبكر دليل وعي لا ضعف. ويساعد كذلك النوم الكافي والراحة وتقليل متابعة الأخبار والمشاهد المخيفة قبل النوم.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يختلف فيه أهل التعبير، ولا يُعد خبرًا يقينيًا عن شيء. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يراه النائم يبقى في دائرة الرمز والاحتمال. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالسكينة وراحة البال، وأن يحسن الظن بربه، فهو سبحانه أرحم بعباده وأعلم بحالهم. والله أعلم.
