ظهور شخص غريب في الحلم المزعج يضيف إلى المشهد إحساسًا بالمجهول، وقد يستيقظ الرائي وهو يتساءل عن هذا الوجه الذي لا يعرفه. وهذه رؤيا رمزية لا تدل على وقوع شيء في الواقع، ولا تخبر عن أي شخص، والأحلام المزعجة شائعة وغالبًا تعكس التوتر لا الواقع. والغريب في المنام كثيرًا ما يرمز إلى ما هو مجهول أو غير مألوف في حياة الرائي، من مشاعر لم يتعرف إليها أو أمور لم تتضح. ولذلك يحسن النظر في الحلم من جهة ما يجهله الإنسان في نفسه وفي ظروفه.
من الناحية النفسية يستعمل العقل في الأحلام وجوهًا لا يعرفها الرائي، فيصنعها من أجزاء صور رآها في أماكن وأوقات متفرقة. وقد يعبر الشخص الغريب عن قلق من أمر مجهول أو من مرحلة جديدة لم يألفها صاحبها. كما قد يرمز إلى جانب خفي في النفس لم يتعرف الرائي إليه بعد، كمشاعر مكبوتة أو خوف من الأذى. وفي بعض القراءات يرمز المشهد إلى رغبة في إنهاء مرحلة أو عادة أو علاقة بصورة رمزية، دون جزم بذلك. ولا يصح أن يُفترض للغريب هوية أو قصد أو صلة بالواقع.
نُسب إلى ابن سيرين أن الغريب في الرؤى قد يدل على أمر جديد لم يعتده الرائي، وقد يدل عند بعضهم على أحوال لم تُعرف بعد. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الوجوه المجهولة في المنام تعبر عن معان معنوية لا عن أشخاص بأعيانهم. وتختلف آراء المفسرين اختلافًا واسعًا ولا يوجد قول يُجزم به. والأولى أخذها باستئناس مع تفضيل القراءة النفسية الهادئة، بلا توقع ولا تخويف ولا اتهام لأحد.
يغير السياق دلالة الحلم، فإذا كان وجه الغريب غير واضح فالأرجح أن الحلم عن شعور عام لا عن شخص بذاته. وإذا بدا مألوفًا ثم عُرف أنه لا يشبه أحدًا فقد يكون من خلط الذاكرة بين الوجوه. وإذا ظهر في مكان عام فقد يرتبط بالقلق من الناس أو من الأماكن الجديدة. أما إذا كان في البيت فقد يعبر عن توتر من أمر طارئ في الحياة الخاصة، دون ربط ذلك بواقع محدد.
يتنوع التأويل بحسب حال الرائي، فالطالب المنتقل إلى مدرسة أو جامعة جديدة قد يعبر الحلم عنده عن قلق الأجواء الجديدة والوجوه الجديدة. والموظف الذي يبدأ عملًا جديدًا قد يعبر عن خوف من المجهول المهني، والمتزوج عن مسؤوليات جديدة لم يعتد عليها. وقد ترتبط عند المرأة بتغير الأدوار أو الانتقال إلى مكان جديد. وعند كبير السن قد تعبر عن قلق من التغيرات المحيطة به. وكلها رموز عامة لا يُجزم بها.
ومن التفاصيل التي يفيد تأملها هل كان الغريب قريبًا أم بعيدًا، وهل شعر الرائي بالفضول أم بالخوف تجاهه. فالفضول قد يدل على رغبة في فهم المجهول، والخوف قد يعبر عن حذر طبيعي من الجديد. وإذا لم يستطع الرائي تذكر ملامح أحد فهذا أمر معتاد، فالعقل لا يحفظ الوجوه في الأحلام بدقة. ولا ينبغي الاسترسال في تخمين من يكون، فذلك يزيد القلق دون فائدة. وكلها احتمالات للتأمل فقط.
وقد يكون الحلم دعوة هادئة إلى التعرف على مخاوف الرائي من المجهول والتعامل معها بخطوات صغيرة. فيفيد أن يسمي الأمور الجديدة التي تقلقه ويكتبها، ثم يحدد لكل أمر خطوة بسيطة يبدؤها. وكثير من الخوف من المجهول يخف بالمعلومة الصحيحة وبالاستعداد الهادئ. كما أن سؤال أهل الخبرة في الأمور الجديدة يمنح اطمئنانًا. وبهذه الوسائل يقل أثر الوجوه المجهولة في الأحلام.
من الناحية العملية تفيد تهدئة التوتر بالمشي والتنفس العميق وتنظيم المهام وتخفيف الأعباء ما أمكن. ويستحسن تقليل متابعة الأخبار والمشاهد العنيفة أو المخيفة قبل النوم، فالعقل يستعير منها وجوهًا ومشاهد. كما يساعد انتظام مواعيد النوم والراحة الكافية على نوم أهدأ. ومن المفيد الكلام مع شخص موثوق عن مشاعر الضيق، فمشاركة الهم تخففه.
والحلم ليس نصيحة نفسية أو طبية ولا يغني عنها. فإذا تكررت الأحلام المزعجة أو أثرت في النوم والحياة اليومية، أو ظهرت أفكار مؤذية للنفس أو للآخرين، فإن ذلك يستحق الكلام فورًا مع مختص نفسي أو طبيب أو أحد الأهل أو جهة مختصة. وطلب المساعدة المبكر دليل وعي لا ضعف. ويساعد كذلك النوم الكافي والراحة وتقليل متابعة الأخبار والمشاهد المخيفة قبل النوم.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يتفاوت فيه المفسرون، ولا يُعد خبرًا يقينيًا عن أي شخص أو شيء. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يراه النائم يبقى في دائرة الرمز والاحتمال. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالطمأنينة وراحة البال، وأن يحسن الظن بربه، فهو سبحانه أرحم بعباده وأعلم بحالهم. والله أعلم.
