إذا رأى التاجر الأنف في منامه فإن الرؤيا تُقرأ عادة في ضوء رموز السمعة وحسن التقدير والفراسة في المعاملات. وينبغي التذكير بأن الرؤيا صورة رمزية وليست خبرًا حرفيًا عن ربح أو خسارة تقع في السوق. وتختلف الدلالة باختلاف هيئة الأنف ورائحته وما صاحب المشهد من مشاعر. ولذلك لا يصح أن تُبنى عليها صفقة ولا قرار مالي. وما سيرد عرض لما قيل في هذا الباب على سبيل الاستئناس لا القطع.
الأنف في لغة الرؤى يرمز عند كثير من المفسرين إلى الكرامة والهيبة والسمعة ومنزلة الإنسان بين من يتعامل معهم. وهو موضع حاسة الشم، فيرتبط بالتمييز بين الأمور وحسن التقدير وإدراك الجيد من الرديء. وحاسة الشم رمز للاستشعار، أي التقاط الإشارات الخفية قبل أن تتضح، كمن يشم رائحة بضاعة فيعرف حالها قبل أن يفحصها. ولهذا قد يشير الأنف في المنام إلى فراسة التاجر وحسه في السوق. ويبقى كل ذلك احتمالًا متعدد الوجوه يتبع حال الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأنف يدل على الشرف وعلو القدر، وأن سلامته تدل على سلامة هذه المعاني. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأنف قد يشير إلى صاحب الأمر الذي يُرجع إليه في الجماعة، وأن حاله في الحلم يُنسب إلى مكانة ذلك الشخص. واختلفت أقوال المفسرين في التفصيل، فبعضهم أطلق القول وبعضهم قيّده بصنعة الرائي. والرموز الأقل شيوعًا، كالأنف المتغير اللون أو الشكل، أقل تناولًا في الكتب القديمة. فيُؤخذ ما يُقال عنها بتحفظ.
للسياق أثر كبير في التأويل، فالأنف الذي يظهر سليمًا في متجر مرتب غير الأنف الذي يظهر في مشهد فوضوي أو مزدحم. وتختلف الدلالة إن كان الأنف للتاجر أو لشريكه أو لزبون أو لشخص غريب. ويختلف الأمر بحسب شعوره، فالاطمئنان يميل إلى الخير، والقلق قد يعكس همّ المعاش. وتُنظر الأحداث السابقة للمشهد واللاحقة له فهي تكمل الصورة. وتُجمع التفاصيل كلها قبل الميل إلى معنى بعينه.
وإذا كان الرائي تاجرًا فقد يُفهم الأنف السليم في منامه على أنه إشارة إلى حسن سمعته بين الزبائن وثقة الناس به. وربما حُمل على فراسة جيدة في اختيار البضاعة والشركاء وتقدير الأسعار. وإن رآه جميلًا طيب الرائحة فقد يُفسَّر بأنه علامة على ذكر حسن وانتظام في المعاملات. وإن رآه متعبًا أو على غير هيئته فقد يدل على انشغال بأمر يمس سمعته أو يقلقه في عمله. وهذه احتمالات لا يلزم أن يقع منها شيء.
ومن الأحوال أن يرى التاجر أنف شريك له، وقد يُحمل ذلك على رأيه فيه وتقديره لمكانته في العمل، ولا يُقطع منه بشيء. وإن رأى أنف زبون فقد يتصل بحرصه على رضا الناس عنه. وإن شمّ رائحة طيبة كعطر أو بهارات أو خشب فقد يُفهم على أنه جو من الانتعاش في عمله. وإن شمّ رائحة منفرة فقد تكون دعوة إلى مراجعة المخزون والدفاتر والتأني في عرض جديد. ويظل الأمر مرهونًا ببقية تفاصيل الحلم وواقع الرائي.
ومن التفاصيل الدقيقة هيئة الأنف ونظافته وموضعه وما يزينه أو يغطيه وإحساس الرائي عند الاستيقاظ. فالأنف المتناسق قد يوحي بتوازن في الحسابات، والأنف المغبر قد يوحي بتراكم أمور تحتاج إلى تصفية. وإن ظهر عليه عرق فقد يدل على جهد متواصل في العمل. وإن كان الأنف صغيرًا أو كبيرًا فلا يُعد ذلك دليلًا على شيء بذاته، لأن أشكال الأنوف كلها طبيعية ومتنوعة. ويُنظر دائمًا إلى المشهد كله.
ومن الزاوية النفسية قد يظهر الأنف في منام التاجر حين يشغله أمر سمعته أمام الناس ومنافسة السوق وخوفه من تقلب الأحوال. وكثيرًا ما تحمل الأحلام بقايا حسابات اليوم وضغط الالتزامات. ويفيد في ذلك مراجعة الأرقام بهدوء، والاستشارة الأمينة لأهل الخبرة، وتوثيق الاتفاقات، وعدم اتخاذ قرارات كبيرة تحت وطأة القلق. كما يفيد الاهتمام بالراحة والنوم حتى يصفو الذهن. والرؤيا لا تغني عن الدراسة والحسابات الدقيقة.
وخلاصة القول أن رؤية الأنف للتاجر رمز يدور حول السمعة والفراسة وحسن التقدير، ويتغير معناه بتغير تفاصيله. وكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، فلا يُبنى عليه قرار مالي. وحسن الظن بالله هو الأصل، ويُدعى بأن يجعل الله كل رؤيا خيرًا ويبارك للرائي في رزقه وعمله. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما الأحلام إلا إشارات رمزية لا تغني عن الجد والأمانة. فليطمئن الرائي وليمضِ في عمله بثقة وهدوء.
