تكرار رؤية الأنف في المنام عدة مرات يجعل الرائي يتساءل هل لهذه الصورة رسالة خاصة. ويحسن أن يُفهم من البداية أن الرؤيا رمزية في الغالب وليست صورة حرفية لما سيقع. والتكرار في ذاته لا يعني بالضرورة معنى أعمق أو أشد، فقد يدل ببساطة على أن الذهن مشغول بأمر معين فيعود إليه كل ليلة. ولذلك يحسن بالرائي أن يتعامل مع الصورة بهدوء وأن يسأل نفسه عما يشغله في يقظته. ومن المفيد أن يسجل ما يتغير في كل مرة من مكان وشعور وهيئة للأنف.
الأنف يرتبط في الرموز بالكرامة والهيبة والسمعة والمكانة بين الناس. ويرتبط كذلك بالتمييز بين الأمور وحسن التقدير، وبحاسة الشم التي ترمز إلى الاستشعار والتقاط الإشارات الخفية. فإذا تكررت رؤيته فقد يكون الرائي مشغولًا بصورته أمام الآخرين أو بقرار يحتاج إلى حسن تقدير. وقد يكون منتبهًا لإشارات في محيطه لم يتبين معناها بعد. وقد يعبر التكرار أيضًا عن رغبة في أن يُقدَّر ويُحترم بما يليق به.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأنف يدل على الشرف والجاه وحال صاحبه بين قومه، وأن ما يطرأ عليه يُقرأ بحسب سياق الرؤيا. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الرؤيا التي تتكرر قد تدل على أن صاحبها مهتم بالأمر الذي تشير إليه، فيكون لما تحدث به النفس نصيب فيها. وذكر التكرار في الكتب القديمة جاء بإيجاز، فهي من الأبواب الأقل تناولًا بالتفصيل في باب الأنف. وقد اختلفت آراء المفسرين فيها، فبعضهم يراها تأكيدًا لمعنى الرؤيا وبعضهم يراها صدى لانشغال الذهن. فلا يصح الجزم بأحد الاتجاهين.
أثر السياق هنا كبير، فالتكرار في فترة امتحان أو عمل جديد أو مشكلة اجتماعية يختلف عن تكراره في فترة هدوء. فإن كان الرائي يمر بمرحلة يُقيَّم فيها كثيرًا فقد يكون الأنف تعبيرًا عن هاجس المكانة والسمعة. وإن كان في مرحلة عتاب أو خلاف فقد يعكس انشغاله بكرامته وحدودها. وإن لم يكن هناك سبب ظاهر فقد يكون الأمر من تكرار الصور الذهنية الذي يحدث لكل أحد. وكذلك يفيد أن يُنظر هل الصورة نفسها تتكرر بالتفاصيل ذاتها أم تتغير في كل مرة.
إذا كانت الرائية عزباء فقد يدل التكرار على انشغالها بمكانتها بين من حولها أو بنظرة الناس إليها في دراسة أو عمل أو علاقة. وقد يعبر عن رغبتها في الثقة بنفسها وفي أن تكون لها كلمة مسموعة. وإذا كانت متزوجة فقد يرتبط بانشغالها بسمعة أسرتها وتقدير زوجها وأهله لها. وقد يكون صدى لضغوط يومية متراكمة. أما الحامل فتكرار الأحلام في الحمل شائع بسبب تغير النوم وكثرة التفكير، ويحسن أن تطمئن وتراجع طبيبها في كل ما يخص صحتها.
وإذا كان الرائي رجلًا فقد يرتبط التكرار بانشغاله بمكانته في عمله وبين أهله وأصدقائه. وقد يعكس خوفًا من أن يُتجاهل رأيه أو أن يُنتقص من قدره. وإن كان تاجرًا فقد يتصل بسمعته في السوق وبثقة المتعاملين معه. وإن كان طالبًا فقد يتصل بقلق التقييم والنتائج. وإن كان مريضًا فلا يُفسر المنام تفسيرًا طبيًا، ومتابعة العلاج مع الطبيب هي الأولى.
من التفاصيل الدقيقة أن يُنظر هل تتكرر الرؤيا في وقت معين من الليلة أو بعد أحداث بعينها، كمحادثة صعبة أو يوم مرهق. وهل يظهر الأنف على هيئته المعتادة أم تتبدل ملامحه في كل مرة. وهل يصحب الصورة شعور ثابت من الراحة أو الضيق. فإذا ثبت الشعور الطيب فقد يميل المعنى إلى الخير، وإذا ثبت الضيق فقد يحتاج الرائي إلى النظر فيما يرهقه. ومثل هذه التفاصيل الصغيرة تعين أكثر من أي قاعدة جاهزة.
من الزاوية النفسية العملية يفيد أن يخفف الرائي من مصادر التوتر قبل النوم كالشاشات الطويلة والأخبار المقلقة. وكتابة ما يشغل البال في دفتر قبل النوم قد تخفف تكرار الصور. كما أن تنظيم مواعيد النوم والابتعاد عن الإرهاق يقللان من كثرة الأحلام المتشابهة. وإن كان الرائي يعاني فعلًا من مشكلة في الأنف أو التنفس أو الشم فمراجعة الطبيب أولى من البحث عن تفسير. فالحلم ليس نصيحة طبية، وتكراره لا يغني عن الفحص.
وفي الختام، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، وقد يصيب وقد يخطئ. فلا ينبغي أن يرتب الرائي عليه قرارات كبيرة ولا أن يخاف منه. والأولى حسن الظن بالله والإكثار من الدعاء بأن يجعل ما رآه خيرًا وأن يصرف عنه كل ضيق. اللهم اجعل هذه الرؤيا خيرًا لصاحبها واشرح صدره وبارك له في أيامه. والغيب لا يعلمه إلا الله، وهو أعلم بما يكون.
